مشاركة مميزة

الممشي الذي ينتظر - خواطر ولحظات وعي

 


الممشى الذي ينتظر



الممشي الذي ينتظر

للممشى على الكورنيش علاقة لا تُشبه العلاقات العابرة.

هو ليس مجرد طريق نمشيه ثم ننساه، بل مساحة تحفظ الذاكرة أكثر مما نفعل نحن.

قرابة شهرين وأنا مبتعدة عنه، ليس لأن الرغبة غابت، بل لأن الجو تغيّر، والبرد تسلّل إلى الصباحات، وكأن بيني وبينه اتفاق صامت على التوقف المؤقت.


في تلك الفترة، كنت أراه من بعيد.

أعرف أنه هناك، بنفس البحر، بنفس الطريق، بنفس الصمت الذي يسبق الضجيج.

لكنني لم أكن جاهزة للعودة.

بعض الأماكن تحتاج أن نبتعد عنها قليلًا، ليس لأننا مللناها، بل لأننا نخشى أن نراها ونحن تغيّرنا.


اليوم، ومع أول دفء خفيف، قررت العودة.

لم يكن قرارًا كبيرًا، ولا لحظة درامية.

كان بسيطًا جدًا، يشبه القرارات التي تأتي عندما نكون مستعدين دون أن نعلن ذلك.

ارتديت حذائي، وخرجت، وكأنني أعود لعادة قديمة لم تفقد معناها.


نفس الوقت تقريبًا.

نفس الطريق المؤدي إلى الممشى.

نفس البحر الذي لا يسأل أين كنت، ولا لماذا غبت.

وعندما لامست قدمي الأرض، في نفس المكان الذي اعتدت أن أبدأ منه، شعرت بشيء يشبه التوقف.

ليس توقف الزمن، بل توقف الضجيج الداخلي.


في تلك اللحظة، عادت الذكريات.

ليس بشكل مفاجئ أو صاخب، بل بهدوء شديد، كأنها كانت تنتظر الإشارة فقط.

قصص السنة الماضية، تفاصيل صغيرة ظننت أنها تلاشت، لكنها كانت مختبئة في المكان.

خطواتي السابقة، أفكاري القديمة، أحاديث لم أُكملها، وصمت طال أكثر مما توقعت.


أدركت حينها أن الأماكن لا تنسى.

نحن من نفعل.

نحن من نظن أن الابتعاد يمحو، بينما الحقيقة أن المكان يحتفظ بكل شيء، ويعيده لنا عندما نعود.


كنت أمشي ببطء.

ليس لأنني متعبة، بل لأنني لا أريد أن أسبق إحساسي.

الهواء كان مختلفًا، ليس لأنه تغيّر، بل لأنني أنا التي تغيّرت.

تنفست بعمق، وكأنني أستعيد شيئًا فقدته دون أن أنتبه.


مررت بنفس النقاط التي مررت بها سابقًا.

لكنها لم تكن متشابهة تمامًا.

الأماكن هي نفسها، نعم،

لكن المشاعر لا تعود كما كانت.

هي تنضج، تهدأ، تصبح أقل اندفاعًا وأكثر فهمًا.


في منتصف الممشى، توقفت للحظة.

نظرت حولي، واكتشفت حقيقة بسيطة جدًا:

لم يتغير شيء.

المكان كما هو، البحر كما هو، الطريق كما هو.

وكأنه كان ينتظر عودتي.


هذه الفكرة لم تكن مريحة فقط، بل كانت مطمئنة.

أن يوجد مكان في هذا العالم لا يطالبك بالتفسير،

لا يعاتبك على الغياب،

ولا يسألك لماذا تأخرت.

مكان يفتح لك ذراعيه كما تركته،

وكأن الزمن لم يمر.


لكن الحقيقة الأعمق ظهرت بعدها مباشرة.

لم يتغير شيء…

إلا أنا.


عدت بنفس الخطوات،

لكن بعقل أكثر هدوءًا،

وبقلب أقل استعجالًا،

وبنظرة لا تبحث عن الإجابات بقدر ما تقبل الأسئلة.


فهمت أن العودة ليست تكرارًا،

بل مواجهة لطيفة مع النسخة القديمة من نفسك.

أن تمشي في نفس الطريق،

لكن بوعي جديد،

وتدرك أن بعض القصص انتهت،

وأن بعضها الآخر لم يكن بحاجة لنهاية أصلًا.


الممشى لم يمنحني إجابات.

لم يقل لي ماذا أفعل،

ولا أين أذهب بعد ذلك.

لكنه فعل شيئًا أهم:

ذكّرني بأنني ما زلت هنا،

وأن الاستمرارية لا تعني الجمود،

بل القدرة على العودة دون أن نفقد أنفسنا.


واصلت المشي،

ليس بهدف الوصول لنقطة معينة،

بل لأن الحركة بحد ذاتها كانت كافية.

بعض الطرق لا نحتاج أن نعرف نهايتها،

يكفي أن نمشيها بصدق.


عندما انتهى المشي، لم أشعر بأن شيئًا انتهى فعلًا.

شعرت فقط بأن شيئًا عاد إلى مكانه الصحيح.

ليس الممشى،

بل أنا.


تعليقات