مشاركة مميزة

أنينٌ في حضنِ القمر- خواطر ولحظات وعي

  أنينٌ في حضنِ القمر  أنينٌ في حضنِ القمر في ليلٍ يئنُّ تحت وطأةِ الصمت، أجلسُ أحتضن ظلي، أناجي طيفك الذي يسكن أوردة روحي. القمر، الشاهد الأبدي على عذابات العاشقين، يرثي قلبي، فيسكب ضوءه كدمعة على جرح الفراق. أنتَ، يا وجع الحياة وحلمها، أنتَ النبض الذي يعيش فيّ رغم خريف الأيام. كانت عيناكِ سماءً أغرق فيها، وهمسك نسيمٌ يعيد الحياة إلى أغصان قلبي الذابلة. كنتَ لحنًا يغنيّه الزمن في لحظات الصفاء، ووعدًا تُزهِر به الحياة كلما ضاقت. لكن القدر، ذلك اللص القاسي، سرق يديك من يدي، وترك في صدري صدى صوتك يتردد كناقوس حزن لا يهدأ. أكتب إليك، وكأن الحروف دموعٌ تتساقط على ورق الشوق، تحمل أنين قلبٍ يبحث عنك في زوايا الوجود. أتسمع نداء روحي في هسيس الريح؟ أترى أحلامي تتراقص كظلال على وجه القمر؟ أنت البعيد الذي لا يغيب، الحاضر في كل نبضة، والغائب في كل لمسة افتقدتها. أغمض عيني، فأراك تُمسك بيدي، تهمس لي أن الفراق وهم، وأن الحب أقوى من الزمن. لكن الريح تعود، فتذكّرني ببرد الواقع. أيها الحب الذي صار وجعًا، سأحملك في صدري كوشم أبدي، أنحت اسمك في سماء النجوم، عسى أن نلتقي...

قصة البحر | فجر النساء الثلاث 🌤️- خواطر ولحظات وعي

 

قصة البحر | فجر النساء الثلاث 🌤️

قصة البحر | فجر النساء الثلاث 🌤️
قصة البحر | فجر النساء الثلاث 🌤️

كان البحر ساكنًا على غير عادته، كأنه ينتظر شيئًا لا يعرفه. النسيم بارد، والسماء ما زالت تمسح بقايا الليل عن وجهها، كأنها أمٌّ تُعدّ ابنها الصغير ليخرج إلى يومٍ جديد.

ذلك الوقت من الفجر له خصوصية لا يشاركها أحد. لا هو ليلٌ ولا نهار، بل مساحة بين الحلم واليقظة، بين ما حدث بالأمس وما سيبدأ بعد قليل. وفي تلك المساحة تحديدًا، ظهرت ثلاث نساءٍ يمشين بخطواتٍ متقاربة، كأنهن يخشين أن يوقظن المدينة من نومها.

صوت نعالهن على الممشى اختلط بخفةٍ بصوت الموج. كان المشهد بسيطًا، لكنه يحمل شيئًا من السحر. ثلاث ظلالٍ أنثويةٍ تتحرك ببطءٍ في الفجر، تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل في لقطةٍ واحدة.

جلسن على المقعد الحجري المطل على البحر، تبادلْن نظراتٍ مليئةً بحنانٍ مألوف، ثم تعانقن كما لو أن كلّ واحدةٍ منهن تودّع الليلة الأخيرة من عمرها. ضحكن ضحكةً طويلة، ضحكةً صادقةً كأنها استراحة من كل تعبٍ مضى، ضحكةً تشبه تنفّس الروح بعد صبرٍ طويل.

كان في جلستهن مزيج غريب من الإنجاز والحرية والمسؤولية، كأن الحياة توزّعت بينهن بعدلٍ تام.


🌷 الجدة

كانت تجلس بهدوءٍ يليق بالإنجاز. في عينيها ملامح امرأة أنهت امتحانات العمر وخرجت بابتسامة الرضا. لم تعد تركض وراء الأيام، بل تتركها تمرّ بجانبها كأصدقاءٍ قدامى تعرف وجوههم واحدًا واحدًا. لم تعد تبرر قراراتها ولا تبرع في الشرح، فمن يفهمها لا يحتاج تبريرًا، ومن لا يفهمها لا يستحق وقتها.

هي تعرف أن الوصول لا يعني النهاية، بل بداية سكونٍ جميلٍ يستحقه من تعب كثيرًا. تأمل البحر كأنها ترى فيه عمرها كله، المدّ مثل شبابها، والجزر مثل شيبها. تبتسم بخفةٍ وهي تقول للأمّ: “ما عاد فيني أركض ورا شي، البحر نفسه يجي لي الحين.”

ضحكت الأمّ وقالت: “بس حضورك هو اللي يخليه أجمل.” فردّت الجدة بابتسامةٍ واثقة: “يمكن، بس ترى الجمال دايم في العين اللي تشوف.”


🌼 الأم

كانت في المنتصف، بين جيلين، بين زمنين، تحمل ضحكتها بيدٍ ومسؤولياتها بالأخرى. تحاول أن تبدو مطمئنة رغم التعب الذي يسكن خلف ملامحها. هي التي ما زالت تتعلّم كيف توازن بين قلبها وقلب الآخرين.

بين ما أنجزت وما يجب أن يُنجز، بين ماضيٍ يطلب حنانها ومستقبلٍ يحتاج حضورها. كانت تتحدث وهي تراقب البحر بعينٍ فيها شيء من القلق الجميل: “أحسّ كل يوم يصير أقصر، والمهام تطول.” ضحكت الجدة وقالت: “طولها في بالك يا بنتي، مو في يومك.”

تنهدت الأم وقالت: “يمكن… بس بعد، أحسّ الدنيا تبي منّا أكثر مما عندنا.” ردّت الجدة بحكمةٍ هادئة: “هي تبي، بس مو لازم تعطيها كلّك.”

ضحكت الحفيدة من بينهما وقالت بخفّة: “بس ماما دايم تقول الوقت ما يكفي!” ابتسمت الجدة وقالت لها: “الوقت يكفي إذا ما ضيّعناه في القلق.”

كانت الأمّ صادقةً في تعبها، تحمل على كتفيها العالم كله، لكنها رغم ذلك تضحك. هي الحرية حين تختار أن تكون كما هي، بلا تكلّف، بلا تبرير، بلا تصنعٍ للرضا.


🌸 الحفيدة

كانت أكثرهن ضوءًا. ضحكتها تسبقها، وعناقها للجدة والأمّ كان أشبه بوعدٍ صغيرٍ بالحياة. لا تعرف بعد معنى الإنجاز ولا المسؤولية، لكنها تعيش الحرية بصفاء الفجر الأول. في عينيها فضول العالم كله، وفي قلبها ثقة من لم يعرف الخسارة بعد.

قالت وهي تنظر إلى البحر: “ليه الموج ما يملّ؟ كل يوم يجي ويروح.” ردّت الأم مبتسمة: “يمكن لأنه يحب الرجعة.” ضحكت الجدة وقالت: “أو يمكن ما يعرف طريق غير البحر.” فقالت الصغيرة: “طيب إذا تعلّم يطير؟”

انفجر الثلاث ضاحكاتٍ، ضحكةً نقيةً تجمع الطفلة والحكيمة والمتعبة في انسجامٍ واحد.


كان البحر يصغي لضحكتهن كأنه يعترف بهزيمته أمام جمال اللحظة. النسيم يدور حولهن، يحرّك أطراف ثيابهن، ويحمل أصواتهن في الأفق. تتلاشى حدود الليل والنهار، ويبقى المشهد كلوحةٍ مرسومةٍ على صفحة الماء.

ثلاث نساءٍ في لحظةٍ واحدة، يمثّلن مراحل الحياة كما لو كانت فصلًا متكاملًا من روايةٍ بشريةٍ قصيرة. الجدة تهب الحكمة، الأمّ تهب التوازن، والحفيدة تهب الضوء. وحين تجتمع هذه العناصر في مكانٍ واحد، يتحوّل الفجر إلى درسٍ هادئٍ عن معنى الاكتمال.

حين بدأ الضوء يملأ الأفق، نهضت الجدة ببطءٍ، ثم تبعتها الأمّ، وأخيرًا الحفيدة التي ظلت تلوّح بيدها للبحر. في تلك اللحظة، لم يبقَ في المكان إلا أثر ضحكتهن، كأن البحر احتفظ بها في ذاكرته ليرويها لمن يأتي بعدهن.

ثلاث نساءٍ في فجرٍ واحدٍ تركن للعالم درسًا بسيطًا: أن الإنجاز ليس صخبًا، بل اجتماع قلوبٍ تعرف كيف تحبّ وتضحك رغم كل شيء.

وفي الأفق، كان البحر يبتسم بهدوء، كأنه يقول للعالم: “كل فجرٍ يحمل نساءه الثلاث في داخله — الحنين، الصبر، والبدايات.”

“كل فجرٍ جديدٍ يذكّرنا أن العمر لا يُقاس بالسنوات، بل بالضحكات التي تبقى بعدنا.”


💙 #قصص_البحر #تأملات_الفجر #الإنجاز #سعودية #SouadWriter

تعليقات