مشاركة مميزة

أنينٌ في حضنِ القمر- خواطر ولحظات وعي

  أنينٌ في حضنِ القمر  أنينٌ في حضنِ القمر في ليلٍ يئنُّ تحت وطأةِ الصمت، أجلسُ أحتضن ظلي، أناجي طيفك الذي يسكن أوردة روحي. القمر، الشاهد الأبدي على عذابات العاشقين، يرثي قلبي، فيسكب ضوءه كدمعة على جرح الفراق. أنتَ، يا وجع الحياة وحلمها، أنتَ النبض الذي يعيش فيّ رغم خريف الأيام. كانت عيناكِ سماءً أغرق فيها، وهمسك نسيمٌ يعيد الحياة إلى أغصان قلبي الذابلة. كنتَ لحنًا يغنيّه الزمن في لحظات الصفاء، ووعدًا تُزهِر به الحياة كلما ضاقت. لكن القدر، ذلك اللص القاسي، سرق يديك من يدي، وترك في صدري صدى صوتك يتردد كناقوس حزن لا يهدأ. أكتب إليك، وكأن الحروف دموعٌ تتساقط على ورق الشوق، تحمل أنين قلبٍ يبحث عنك في زوايا الوجود. أتسمع نداء روحي في هسيس الريح؟ أترى أحلامي تتراقص كظلال على وجه القمر؟ أنت البعيد الذي لا يغيب، الحاضر في كل نبضة، والغائب في كل لمسة افتقدتها. أغمض عيني، فأراك تُمسك بيدي، تهمس لي أن الفراق وهم، وأن الحب أقوى من الزمن. لكن الريح تعود، فتذكّرني ببرد الواقع. أيها الحب الذي صار وجعًا، سأحملك في صدري كوشم أبدي، أنحت اسمك في سماء النجوم، عسى أن نلتقي...

قطار العمر - خواطر ولحظات وعي

 


✦ قطار العمر   ✦



قطار العمر
قطار العمر


يا قطار  العمر

يا قطار العمر… يا صدى يعبر أيامنا وليالينا.
نادِ بأعلى صوتك، لعل صوتك يغطي على ضجيج ما مضى، ولعل غبار عجلاتك يخفي آثار الدروب التي تركت ندوبها فينا.

ها نحن في محطة العمر، نلوّح لما مضى وما سيأتي…
لا وداع ولا التفات، فالحياة لا تلتفت، تمضي بقوة، أو تبتعد بخفة، ولا تنتظر.

مرّت الأعوام كقطار الليل؛ سريعة، تلمع لحظة ثم تختفي في ظلام بعيد.
حاولنا الإمساك بها، أن نقول لها: «تمهّلي»، لكن الزمن لا يتوقف، والأيام تسبق كلماتنا.

يا قطار العمر، أخبرهم أننا كنّا هنا…
أننا ضحكنا وانكسرنا، وأننا ضحّينا وقلنا: «لا بأس».
قل لهم إن العيون كانت مرسى لألف دمعة مؤجّلة، حتى جاء يوم الفراق مع مرحلة، فخرجت دمعة وحيدة كشفت المستور.

كنّا نقول: نحن أقوياء.
كنّا نقول: الوحدة لا تخيفنا.
لكن الحقيقة أن القوة أحيانًا مجرد قناع، وأن الوحدة، وإن كانت صديقة، فإنها تسرق الدفء إذا غاب الأمل.

كل شيء في تلك اللحظات يصرخ: «افترقنا عن الأمس»…
حتى أصغر تفاصيل الحياة: الباب الذي يُغلق، الكوب الفارغ على الطاولة، والكرسي الذي بقي بلا جالس.

نادِ يا قطار…
فالصوت ليس ألمًا فحسب، بل حنين ممزوج بفقد، وغضب مبتلّ بالدموع.
الصوت ينادي على عمر مضى بوداعه، وليس لنا إلا أن نسلك طريقًا آخر، كمسافر يواصل الرحلة.

ما بكينا على ما ذهب وحده…
بل بكينا على كل «كان يمكن»، على كل حلم لم يتحقق، على كل لحظة تخيلناها ولم نعشها.
بكينا على صورٍ صغيرة في رؤوسنا؛ بيت مليء بالضحك، يدان تتشابكان في شتاء بارد، كلمة «أنا هنا» التي لم تُقل.

لكن يا قطار العمر…
لم ننهزم.
بكينا، نعم… لكن البكاء لم يكن ضعفًا، بل إعلانًا أن القلوب ما زالت حيّة.
ويومًا ما ظننّا أن النهاية حانت، لكن اكتشفنا أنها بداية.

بدأنا نعرف أنفسنا أكثر، بدأنا ندرك قيمة الوحدة، وأننا حتى وإن كنا مكسورين، فما زلنا قادرين على العيش والبناء، وعلى حب أنفسنا من جديد.

الذكريات كالقطار، تأتي وتغادر.
أحيانًا نسمع صافرتك يا قطار، فنشعر أننا في ذات الموقف من جديد.
لكن الفرق أننا لم نعد نصرخ: «توقفي»… بل نبتسم ونقول: «امضِ، ولعل الله يسهّل لك الطريق».

تعلمنا أن بعض اللحظات لا تُكتب لنا إلى الأبد.
تعلمنا أن الفقد جزء من القصة، وأن الدموع ليست خاتمة… بل بداية طريق نحو النور.
ومن بكى بالأمس، يستطيع أن يضحك اليوم، وربما يضحك أكثر غدًا.

نادِ يا قطار بأعلى صوتك… نادِ حتى يتعب صوتك، وسنسمعك ونحن نبتسم.
لأن الألم لا يقتل، بل يصنع فينا جلدًا أقوى وروحًا أنقى.

أدركنا أن ما رحل لم يكن نهاية العالم، بل بابًا مفتوحًا لفهم أوسع… حبًّا للحياة أولًا، ثم لكل ما هو قادم.

نسمع وقع خطوات الأيام تبتعد، وكل خطوة تسحب جزءًا من الأمس.
لكننا نسمع في الوقت نفسه صوتًا داخليًا يقول: «انتبه… أنت ما زلت هنا».
قد ذهب زمن، لكننا باقون.
قد ذهبت فرحة، لكن الفرح نفسه ينتظرنا في مكان آخر.

نمحو دموعنا ونقول: «سيعوضنا الله».
ونؤمن أن الله لا يخذل قلبًا نوى الصدق.
ولا نندم على ما عشناه، لأننا لولاه ما كنا لنعرف معنى الحياة.

يا قطار العمر…
نكتبك اليوم لا لنعود، ولا لنعاتب، بل لنقول: أصبحنا أقوى.
أصبحنا نعرف كيف نعيش بطريقتنا، وكيف نبتسم حتى في وحدتنا.

قد تبكينا لحظة، أو كلمة، أو أغنية، لكن بعد البكاء نرفع رؤوسنا ونمضي.

لأن الحياة يا قطار العمر، لا تتوقف عند أحد.
تمضي كقطار…
ونحن نختار: إما أن ننتظرها، أو نكمل المشوار بابتسامة.


تعليقات