قصة البحر | كاميرا الممشى
![]() |
| قصة البحر | كاميرا الممشى |
كان الصباح ناعمًا، الضوء الذهبي ينساب على صفحة البحر مثل شريطٍ من الحرير، والموج يلمع بخفةٍ كأنه يستعد لالتقاط أولى صور اليوم. رائحة القهوة من المقهى القريب تمتزج بملح النسيم، والنوارس تحوم فوق المياه في دوائر دقيقة كأنها تحدد زوايا التصوير للسماء.
في الممشى، كانت امرأة تمشي بخطى واثقة. ملابسها بسيطة، أنيقة بلا تكلّف، وفي وجهها طمأنينة من يعرف طريقه، ذلك النوع من الهدوء الذي لا يُدرّس بل يُكتسب من التجارب. خطواتها متناسقة كإيقاع الموج، تحمل في كل خطوة إحساسًا بالعزلة الجميلة، عزلة لا تشبه الوحدة بل الحرية.
لكن في الجهة المقابلة، كان هناك رجل يدور حولها بهدوءٍ مريب، يتقدّم قليلًا ثم يتراجع، يمرّ بجانبها مرةً، ثم يعود من الاتجاه الآخر مرةً ثانية. كأنه كاميرا مراقبة بشرية تبحث عن “زاوية مثالية”، زاوية يستطيع منها أن يلتقط مشهدًا لا يملك شجاعة طلبه مباشرة.
المشهد بدا عاديًا لأول وهلة، لكن تكرار الدوران جعل المارة يلتفتون بخفةٍ فضولية. الناس في الممشى يعرفون البحر جيدًا، ويعرفون أيضًا أن كل حركةٍ فيه تُقرأ بعينٍ أخرى. فالمكان رغم اتساعه صغير، كل النظرات تُسجّل، وكل تكرارٍ يثير السؤال.
المرأة لم تلتفت. عيناها على الأفق، وجهها ساكن كلوحةٍ زيتيةٍ رسمها البحر بنفسه. حتى الهاتف في يدها لم يبدُ كأنه مهرب من الملل، بل كجزءٍ من إيقاع خطواتها المنتظمة. كانت تمشي كما لو أن العالم حولها مؤقت، وأن الموج وحده يستحق النظر.
أما الرجل فكان مشهدًا آخر تمامًا. يحاول أن يبدو طبيعيًا، ينظر إلى البحر ويتظاهر بالاهتمام بتغيّر لون الماء، لكن نظراته تفضحه؛ عيناه لا تستقران إلا حين تمرّ هي بجانبه. يحكّ ذقنه أحيانًا، يعدّل نظارته، يمسك هاتفه، لكن كل تلك الحركات الصغيرة كانت محاولاتٍ فاشلة لتمويه ارتباكه.
حتى البحر لاحظ. بدا كأنه يضحك في داخله، يرسل موجةً صغيرةً نحو الشاطئ كابتسامةٍ خفيفةٍ ساخرة. وفي كل ارتطامٍ للصوت بالمقاعد الحجرية، كان يبدو كتعليقٍ ساخرٍ على الموقف: “المراقبة ليست إعجابًا، بل عجزٌ عن التعبير.”
المرأة واصلت السير. لم تكن ترى، أو ربما كانت ترى وتتجاهل. وفي الحالتين هو الخاسر. فهي لا تحتاج أن تلتفت لتفهم، ولا أن تردّ لتنتصر. الردّ في مثل هذه المواقف يهبط بالموقف كله من سماء الهدوء إلى ضجيج التبرير، وهي تعرف أن الهدوء سلاح أقوى من أي نظرةٍ مرتابة.
مرت المرة الثالثة، الرجل يكرر الخطوات نفسها، يحاول أن يجد صدفةً تجمعه بها، كأن يطلب منها رأيًا في الطقس أو يسأل عن أقرب مقهى. لكن كلماته تختنق قبل أن تولد، والبحر يراقبه كمن يتسلّى بمشهدٍ يعرف نهايته.
وفي النهاية، توقف. جلس على مقعدٍ حجريٍّ قريب من السور. أخرج هاتفه، بدأ يتصفّح شيئًا لا أحد يعرفه، ربما يحاول أن يُقنع نفسه بأنه جاء ليصوّر البحر، لا امرأةً تجاهلته برقيٍّ تام.
الهواء مرّ على وجهه، وفي عينيه شيء من الخجل، ذلك الخجل الذي لا يأتي من الفعل ذاته بل من إدراك عبثيته. هو لم يفعل شيئًا فعليًا، لكن البحر جعله يرى نفسه كما هي — صغيرة، مترددة، مكشوفة.
جلست سيدة مسنّة على مقعدٍ قريب، نظرت إليه ثم إلى المرأة التي تبتعد، ابتسمت بخبرة الأعوام وقالت في سرّها: “كل زمنٍ وله صيادوه، هذا واحدٌ يصيد النظرات بدل السمك.”
أما المارة فقد نسوا المشهد سريعًا، لكن البحر لم ينسَ. ظلّ يصفّق بأمواجه بخفةٍ ساخرة، كأنه يعلّق على النهاية قائلاً: “يا صديقي، لو كنتَ ذكيًا كالموج، لاكتفيت بالمراقبة من بعيد.”
فالذكاء لا يعني التقدّم دائمًا، أحيانًا الذكاء في التراجع، في معرفة المسافة المناسبة بين الفضول والاحترام. البحر يعرف تلك المسافة جيدًا، فهو لا يقترب من الشاطئ أكثر مما ينبغي، ولا يبتعد حتى لا ينساه الناس. كل شيء عنده محسوب، حتى اندفاع الموجة التي تبدو عشوائية.
أما المرأة، فكانت قد أكملت طريقها. جلست في النهاية على مقعدٍ يطل على البحر، أخرجت من حقيبتها كوب قهوة، وراحت تتأمل الأفق في صمت. لم تكن تفكر في الرجل، ولا في المشهد الذي تركته خلفها. كانت تفكر فقط في الهدوء الذي لا يفسده إلا البشر حين يظنون أنهم محور المشهد.
الموج يعلو ويهبط، والشمس بدأت تصعد أكثر. مرّت بضع دقائق، ثم وقف الرجل وغادر دون أن ينظر خلفه، كأن الموقف كله لم يحدث. لكن البحر رأى، والبحر لا ينسى.
كان في الموقف درس صغير لمَن يقرأه: أن بعض المراقبة ليست إعجابًا بل احتلالًا صامتًا لمساحة الآخرين، وأن من يراقب كثيرًا يفقد ذاته في مرآة غيره. وأن المرأة التي تمشي بثقةٍ لا تحتاج إلى جمهور، تمامًا كما لا يحتاج البحر إلى تصفيقٍ ليكون جميلًا.
وفي نهاية الممشى، كانت الكاميرا الحقيقية — كاميرا البحر — تلتقط الصورة الأخيرة: امرأة تمشي نحو ضوء الصباح، رجل يجلس في الظل، وموجٌ يبتسم ساخرًا من الاثنين معًا.
ليس كل من يراك يستحق انتباهك
💙 #قصص_البحر #صباح_الخير_والسعاده #SouadWriter

تعليقات
إرسال تعليق