مشاركة مميزة

أنينٌ في حضنِ القمر- خواطر ولحظات وعي

  أنينٌ في حضنِ القمر  أنينٌ في حضنِ القمر في ليلٍ يئنُّ تحت وطأةِ الصمت، أجلسُ أحتضن ظلي، أناجي طيفك الذي يسكن أوردة روحي. القمر، الشاهد الأبدي على عذابات العاشقين، يرثي قلبي، فيسكب ضوءه كدمعة على جرح الفراق. أنتَ، يا وجع الحياة وحلمها، أنتَ النبض الذي يعيش فيّ رغم خريف الأيام. كانت عيناكِ سماءً أغرق فيها، وهمسك نسيمٌ يعيد الحياة إلى أغصان قلبي الذابلة. كنتَ لحنًا يغنيّه الزمن في لحظات الصفاء، ووعدًا تُزهِر به الحياة كلما ضاقت. لكن القدر، ذلك اللص القاسي، سرق يديك من يدي، وترك في صدري صدى صوتك يتردد كناقوس حزن لا يهدأ. أكتب إليك، وكأن الحروف دموعٌ تتساقط على ورق الشوق، تحمل أنين قلبٍ يبحث عنك في زوايا الوجود. أتسمع نداء روحي في هسيس الريح؟ أترى أحلامي تتراقص كظلال على وجه القمر؟ أنت البعيد الذي لا يغيب، الحاضر في كل نبضة، والغائب في كل لمسة افتقدتها. أغمض عيني، فأراك تُمسك بيدي، تهمس لي أن الفراق وهم، وأن الحب أقوى من الزمن. لكن الريح تعود، فتذكّرني ببرد الواقع. أيها الحب الذي صار وجعًا، سأحملك في صدري كوشم أبدي، أنحت اسمك في سماء النجوم، عسى أن نلتقي...

قصة البحر | الصيّادان بلا صنّارة - خواطر ولحظات وعي

 

قصة البحر | الصيّادان بلا صنّارة

قصة البحر | الصيّادان بلا صنّارة
قصة البحر | الصيّادان بلا صنّارة

كان الصباح هادئًا كأنه يلتقط أنفاسه الأولى بعد ليلةٍ طويلة. الموج يضرب الشاطئ بخفةٍ محسوبة، لا يريد أن يوقظ البحر كلّه، والهواء عليلٌ يحمل رائحة الملح وشيئًا من القهوة القادمة من المقهى القريب. كنت أمشي بخطواتٍ ثابتةٍ على الممشى، أراقب الناس أكثر مما أراقب البحر، فالوجوه في هذا الوقت من اليوم تكشف ما لا يقوله أحد.

أمام مقهى صغيرٍ مطلٍّ على البحر، كان يجلس رجلان مختلفان في كل شيء تقريبًا. الأول نحيل، مفعم بالحيوية، يتحدث بصوتٍ مرتفعٍ يملأ المكان كأنه يخطب في جمهورٍ كبير، يرفع يده حين يتحدث، يلوّح بها وكأنه يرسم الهواء. وجهه يلمع بالثقة المفرطة التي لا تُبنى على شيءٍ واضح، وعيناه تلمعان بحماسٍ مبالغٍ فيه لا يعرف مصدره إلا هو.

أما الآخر فكان يجلس أمامه بصمتٍ ثقيل، يضع كوب القهوة الورقية بين يديه كما لو كان يتمسّك به خشية أن يضيع توازنه. رأسه يهتز بالموافقة كل بضع كلمات، يكرّر تلك الجملة التي تشبه ختم الاستسلام: “نعم، صحيح.”

كان واضحًا أن الأول يعيش عرضًا مسرحيًا صغيرًا من بطولة نفسه، وأن الثاني هو الجمهور الوحيد، حاضر بالجسد، غائب بالعقل، يُصفّق بصمته لأن المجاملة أسهل من الجدال. كل حركةٍ في ملامح الأول تقول: “انظروا إليّ.” وكل حركةٍ في الثاني تقول: “دعوني أغادر.” لكن الغريب أن ملامحه لم تكن إعجابًا، بل شيئًا آخر؛ غيرة مكتومة، يبتلعها مع كل رشفةٍ من القهوة، كأن كل “نعم صحيح” يخرجها هي محاولة لتغطية جملةٍ أخرى يريد قولها: “ليش هو وأنا لا؟”

الأول يمثّل النجاح، والثاني يمثل الرضا القسريّ. أحدهما يتحدث بثقةٍ زائدة لا تستند إلى رصيدٍ حقيقي، والآخر يستمع بخنوعٍ يخفي داخله شعورًا حارقًا بالعجز. مشهدٌ مألوف من الحياة اليومية: شخص يعيش الوهم ببلاغة، وشخص يعيش الحقيقة بصمت.

ضحكت في سري. الأول ربما مفلس لكنه يملك الجرأة على التمثيل، والثاني ربما ميسور، لكنه خسر كل شيء أمام فكرة أنه “أقل شغفًا بالحياة.” فبعض الناس لا يُعذبهم الفقر، بل مقارنة أنفسهم بآخرين أكثر صخبًا منهم.

البحر أمامهما كان أجمل من حديثهما، لكن لا أحد منهما لاحظه. الأول منشغل بعرض نفسه على أمواج الخيال، والثاني غارق في داخله كأنه يغرق في بئرٍ بلا قاع. وما بينهما، كانت الحياة تمضي كما تمضي الموجات: تُصافح الشاطئ وتعود أدراجها، دون أن تعرف أحدًا.

كان الأول يتحدث عن إنجازاته المالية، عن استثماراتٍ قادمة، ومشاريع كبرى، وأصدقاء مهمين في أماكن “مرموقة”. يضحك بصوتٍ مرتفعٍ جدًا بالنسبة لصباحٍ بهذا الهدوء، ويعيد حكاية نجاحه في شراء شيءٍ تافهٍ وكأنه أنقذ الاقتصاد الوطني. بينما الآخر يبتسم ابتسامةً خجولةً لا تصل إلى عينيه، تلك الابتسامة التي تُقال فقط لتجنب الجدال.

اقتربتُ منهما دون أن يقصدا، فالمشي على الممشى يجعل الأصوات تتسلل بسهولة، وسمعت النحيف يقول بصوتٍ يفيض بالحماس: “أنا ناوي أفتح مشروع قريب!” ردّ الآخر بصوتٍ خافتٍ رتيب: “الله يوفقك… بس انتبه، المشاريع تستهلك وقت.”

عبارةٌ صغيرة، لكنها كانت مليئة بالمعنى. فيها غيرةٌ مبطنة، وخوفٌ من الفشل، وفيها أيضًا حكمة التجارب التي تأتي متأخرة دائمًا. لكن النحيف لم يسمع سوى صوته، ظلّ يتحدث ويضحك، كأن كلام صاحبه مجرد ضوضاءٍ خلفيةٍ لحكايته العظيمة.

ابتسمت وأنا أكمل طريقي. في حياتنا كثيرٌ من هؤلاء “الصيادين بلا صنارة”. أحدهم يصيد الكلام، يُلقي شِباك الحديث في كل اتجاهٍ لعلّ أحدًا يصدّقه. والآخر يصيد الغيرة، يبتلعها بصمتٍ ويحاول أن يبدو هادئًا بينما قلبه يتساءل: “ليش مو أنا؟”

فكّرت وأنا أبتعد أن البحر أكثر صدقًا من الناس. حين يثور، نراه، وحين يهدأ، نسمعه. أما البشر، فيثورون في الداخل ويهدؤون في الظاهر، يغرقون في المقارنات كأنها موجة لا تنتهي.

كل واحدٍ منهم كان صيادًا بطريقته: الأول يرمي صنارته في الهواء لاصطياد الانتباه، والثاني يرمي نظراته في الأرض لاصطياد الشفقة على نفسه. لكن لا أحد منهما التفت إلى البحر الذي أمامه، البحر الذي يعطي دروسًا مجانية في الرزق والانتظار، دون أن يتفاخر أو يغار.

تساءلت: هل النجاح الذي يتحدث عنه الناس هو ما يعيشونه فعلًا، أم هو طريقة جديدة للتعويض عن فراغٍ لا يعترفون به؟ وهل الهدوء الذي نراه في البعض هو رضا حقيقي، أم استسلام مغلّف بالحكمة؟

تلك الأسئلة ظلت تسبح في ذهني بينما أتابع المشي. في كل مرةٍ ألتفت إلى البحر، أراه يكرر درسه الأزلي: أن الموجة التي ترتفع لا تدوم، وأن الموجة التي تنكسر لا تموت. تمامًا مثل البشر، حين يتبدّلون بين الغرور والانكسار، بين الحماس والخذلان، ولا يدركون أن الحياة لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالسكينة التي تبقى بعد انتهاء الضجيج.

عندما ابتعدت عن المقهى، سمعت النحيف يقول بصوتٍ مرتفعٍ جديد: “صدقني، النجاح مسألة وقت، أنا عندي رؤية.” والثاني يردّ ببرودٍ محايد: “الرؤية تحتاج تمويل.” ضحكت بخفةٍ، وشعرت أن البحر أيضًا يضحك معي، يرسل موجةً صغيرةً تمسّ الشاطئ ثم تعود كمن يصفق ساخرًا.

قلت في نفسي: “بعض الناس يصيدون المال، وبعضهم يصيدون الانتباه، والبعض الآخر… يصيدون الغيرة.”

وربما أجمل الصيادين من يكتفي بمراقبة البحر، ينتظر رزقه بصبرٍ هادئ، ويعرف أن الهدوء لا يعني العجز، بل نضج الروح التي لم تعد تحتاج ضجيجًا لتثبت وجودها.

"ليس كل من يرفع صوته ناجحًا، فالبحر أعمق من ضجيجه."


💙 #قصص_البحر #صباح_الخير_والسعاده #صباح_الأشياء_المُشرقة #SouadWriter

تعليقات