مشاركة مميزة

أنينٌ في حضنِ القمر- خواطر ولحظات وعي

  أنينٌ في حضنِ القمر  أنينٌ في حضنِ القمر في ليلٍ يئنُّ تحت وطأةِ الصمت، أجلسُ أحتضن ظلي، أناجي طيفك الذي يسكن أوردة روحي. القمر، الشاهد الأبدي على عذابات العاشقين، يرثي قلبي، فيسكب ضوءه كدمعة على جرح الفراق. أنتَ، يا وجع الحياة وحلمها، أنتَ النبض الذي يعيش فيّ رغم خريف الأيام. كانت عيناكِ سماءً أغرق فيها، وهمسك نسيمٌ يعيد الحياة إلى أغصان قلبي الذابلة. كنتَ لحنًا يغنيّه الزمن في لحظات الصفاء، ووعدًا تُزهِر به الحياة كلما ضاقت. لكن القدر، ذلك اللص القاسي، سرق يديك من يدي، وترك في صدري صدى صوتك يتردد كناقوس حزن لا يهدأ. أكتب إليك، وكأن الحروف دموعٌ تتساقط على ورق الشوق، تحمل أنين قلبٍ يبحث عنك في زوايا الوجود. أتسمع نداء روحي في هسيس الريح؟ أترى أحلامي تتراقص كظلال على وجه القمر؟ أنت البعيد الذي لا يغيب، الحاضر في كل نبضة، والغائب في كل لمسة افتقدتها. أغمض عيني، فأراك تُمسك بيدي، تهمس لي أن الفراق وهم، وأن الحب أقوى من الزمن. لكن الريح تعود، فتذكّرني ببرد الواقع. أيها الحب الذي صار وجعًا، سأحملك في صدري كوشم أبدي، أنحت اسمك في سماء النجوم، عسى أن نلتقي...

قصة البحر | هي التي تشبهها - خواطر ولحظات وعي

 

قصة البحر | هي التي تشبهها

قصة البحر | هي التي تشبهها
قصة البحر | هي التي تشبهها

جلست على كرسيها المعتاد أمام البحر، ذلك الكرسي الذي صار جزءًا من تفاصيلها اليومية، كأن الخشب حفظ شكل جلستها، وكأن البحر ينتظر حضورها كل صباح ليبدأ تنفّسه.

فنجان القهوة بين يديها، يبث بخاره كأنّه يذكّرها أن الدفء ممكن حتى في الصباحات الباردة. النسيم يمرّ كعادته، يحمل أصوات الموج، ورائحة الملح، وهمس الذكريات التي لا تنام أبدًا.

كانت تراقب الناس من بعيد، تجد في وجوههم قصصًا كثيرة، لكنها لا تقترب من أحد. فهي لم تعد تبحث عن الحكايات الجديدة، بل عن صدى حكاياتها القديمة التي تذوب كل يوم مع الموج.

وبينما هي غارقة في تأملها، لمحت فتاة تمشي بخفةٍ عند حافة الماء، شعرها يطير مع الريح، وضحكتها صافية كالموجة الأولى في الصباح، تملأ المكان بخفّةٍ تشبه الأغنية التي تُنسى كلماتها لكن يبقى لحنها في الذاكرة.

توقفت للحظة. قلبها اضطرب فجأة، كأن الزمن عاد إلى الوراء، وهمس في أذنها باسمها القديم. حدّثت نفسها بصوتٍ خافت: “يا رب… كأنها أنا يوم كنت بهالعمر.”

عادت بخيالها إلى الوراء، حين كانت تأتي إلى البحر وهي تضحك بلا سبب، تركض على الرمل بخفّةٍ لا يعرفها إلا من لم يتعب بعد، تكتب أسماءها بالعصا ثم تضحك حين تمحوها الموجة، تظن أن الغد لا يمكن أن يتعبها، وأن العالم يبتسم لها وحدها.

وقفت واقتربت من الفتاة بخطواتٍ بطيئة، كأنها تسير نحو ماضيها، لا نحو شخصٍ غريب. الريح ازدادت قليلًا، تداعب شعرها الأبيض هذه المرة، لكنها لم تبالِ. شيء في تلك الفتاة شدّها بشدّةٍ لا تفسير لها، كأنها ترى انعكاسها القديم يسير أمامها بلحمٍ ودم.

التفتت الفتاة نحوها فجأة، بعينين واسعتين وابتسامةٍ بريئة، نظرة فيها دهشة الحياة الأولى التي لا يعرفها إلا الشباب. ابتسمت هي وقالت بخجلٍ رقيقٍ لا يليق إلا بمن يعرف قيمة اللحظة: “عذرًا يا بنتي… ذكرتِني بفتاة في عمرك، كانت تحب البحر وتضحك مثلك، بس اختفت.”

ضحكت الفتاة بدهشةٍ خفيفة، وقالت: “اختفت؟ وين راحت؟”

ضحكت بخفوتٍ وأجابت: “يمكن البحر أخذها، أو يمكن الحياة سرقتها شوي.”

سكتت الفتاة لحظةً قصيرة، ثم قالت بفضولٍ صادق: “يعني راحت بعيد؟” أجابت المرأة بابتسامةٍ فيها حكمة السنين: “لا، يمكن هي هنا، بس تغيّرت ملامحها شوي.”

كانت تلك الجملة بسيطة، لكنها خرجت من فمها كاعترافٍ صادق. فكلنا نختفي بطريقةٍ ما، نذوب في واجبات الحياة، في الهدوء الذي يأتي بعد الصخب، وفي الصبر الذي يعلّمنا كيف نعيش بلا صخب الأحلام القديمة.

جلست الفتاة بجانبها للحظة، نظرت الاثنتان إلى البحر في صمتٍ جميل. قالت الفتاة بعد تردد: “أنا أحب البحر، أحسّه يفهمني.” أجابت المرأة وهي تحدّق في الأفق: “إيه، البحر يفهم الكل، بس ما يرد على أحد.” ضحكت الفتاة، وردّت: “يمكن لأنه يعرف إننا نسمع اللي نبغاه، مو اللي يقوله.”

ضحكت المرأة بصوتٍ ناعمٍ يشبه صوت الموج حين يهمس للشاطئ، وقالت: “يمكن فعلاً.” ثم نظرت إليها نظرة طويلة، كأنها تلتقط آخر صورةٍ لذاكرتها القديمة قبل أن تغيب.

بعد دقائق، نهضت الفتاة، ودّعتها بابتسامةٍ خفيفة، وقالت: “أشوفك بكرة؟” هزّت المرأة رأسها وقالت: “يمكن، إذا البحر سمح لي.” وغادرت الفتاة بخطواتٍ خفيفةٍ، تركت خلفها صدى ضحكتها يختلط بصوت الموج.

جلست المرأة على كرسيها من جديد، أمسكت فنجانها الذي برد قليلًا، وراحت تراقب الأمواج وهي تتكسر أمامها، كأنها تقرأ رسائل لا تُكتب بالحروف بل بالرذاذ والملح. في عينيها لمعة حنينٍ لا تُخفى، تلك اللمعة التي لا يعرف معناها إلا من تحدّث يومًا مع نفسه القديمة.

رفعت بصرها نحو الأفق، وقالت في سرّها: “الناس تكبر، بس الروح تبقى في عمرها اللي تحب.” ثم ابتسمت، وأخذت نفسًا عميقًا من هواء البحر، كأنها تشرب ذكرى، لا نسيمًا.

كانت تعرف أن البحر سيبقى شاهدًا عليها، مثل صديقٍ قديمٍ لا ينسى. فهي التي كانت تركض على شاطئه في الصغر، وتجلس أمامه في الكبر، تستمع لصوته ذاته، لكنّ المعنى تغيّر. في صباها، كان البحر وعدًا بالمستقبل، واليوم صار مرآةً للماضي. ومع ذلك، ما زالت تحبه بالقدر نفسه، لأنه المكان الوحيد الذي لا يحاسبك على تغيّرك، ولا يلومك على حنينك.

حين همّت بالقيام، نظرت مرةً أخيرة إلى البحر، تخيلت الفتاة الصغيرة تركض على الرمل، تضحك بلا سبب، وترفع يدها مودعةً، فابتسمت وقالت بخفوتٍ: “وداعًا يا أنا القديمة… البحر حفظ صورتك.”

ثم مشت ببطءٍ، تركت كرسيها فارغًا، لكن رائحة القهوة والذكريات بقيت تحوم حوله. وفي الأفق، كانت الموجة الأخيرة تهمس كأنها تقول: “من عرف نفسه القديمة، لم يَعُد غريبًا في هذا العالم.”

“بعض اللقاءات تحدث لتذكّرك بنفسك، لا بالآخرين.”


💙 #قصص_البحر #صباح_الخير_والسعاده #صباح_الأشياء_المُشرقة #SouadWriter

تعليقات