مشاركة مميزة

أنينٌ في حضنِ القمر- خواطر ولحظات وعي

  أنينٌ في حضنِ القمر  أنينٌ في حضنِ القمر في ليلٍ يئنُّ تحت وطأةِ الصمت، أجلسُ أحتضن ظلي، أناجي طيفك الذي يسكن أوردة روحي. القمر، الشاهد الأبدي على عذابات العاشقين، يرثي قلبي، فيسكب ضوءه كدمعة على جرح الفراق. أنتَ، يا وجع الحياة وحلمها، أنتَ النبض الذي يعيش فيّ رغم خريف الأيام. كانت عيناكِ سماءً أغرق فيها، وهمسك نسيمٌ يعيد الحياة إلى أغصان قلبي الذابلة. كنتَ لحنًا يغنيّه الزمن في لحظات الصفاء، ووعدًا تُزهِر به الحياة كلما ضاقت. لكن القدر، ذلك اللص القاسي، سرق يديك من يدي، وترك في صدري صدى صوتك يتردد كناقوس حزن لا يهدأ. أكتب إليك، وكأن الحروف دموعٌ تتساقط على ورق الشوق، تحمل أنين قلبٍ يبحث عنك في زوايا الوجود. أتسمع نداء روحي في هسيس الريح؟ أترى أحلامي تتراقص كظلال على وجه القمر؟ أنت البعيد الذي لا يغيب، الحاضر في كل نبضة، والغائب في كل لمسة افتقدتها. أغمض عيني، فأراك تُمسك بيدي، تهمس لي أن الفراق وهم، وأن الحب أقوى من الزمن. لكن الريح تعود، فتذكّرني ببرد الواقع. أيها الحب الذي صار وجعًا، سأحملك في صدري كوشم أبدي، أنحت اسمك في سماء النجوم، عسى أن نلتقي...

قصة البحر | زوجة الصيّاد - خواطر ولحظات وعي

 

قصة البحر | زوجة الصيّاد

قصة البحر | زوجة الصيّاد
قصة البحر | زوجة الصيّاد

كان البحر صباح هذا اليوم أكثر صفاءً من العادة، والموج يلمع تحت شمسٍ دافئة كأنها تبتسم لأهل المراكب الصغيرة. النسيم البحري الخفيف يحمل رائحة الملح والطمأنينة معًا، ورائحة الشاي التي تفوح من استراحة الصيادين تختلط بأصواتهم المبحوحة.

جلس الصياد العجوز في مكانه المعتاد، مكانه الذي يعرفه البحر جيدًا كما يعرف هو عمق الموج وسرّ الريح. يداه المتشققتان من الملح تمسكان بخيط الصنارة كمن يمسك بذاكرةٍ قديمة. ملامحه ساكنة، لكن في عينيه حكاية حياةٍ طويلة، فيها تعب البحر وفرح الصيد وانتظار الفجر.

بالنسبة له، الصيد لم يعد مجرّد هواية، هو طقسٌ يومي يشبه الصلاة؛ يستيقظ قبيل الفجر، يعدّ قهوته على عجل، يحمل أدواته وكأنه يحمل جزءًا من روحه، ثم يمضي نحو البحر الذي صار صديقه الأوفى. فكل سمكةٍ تخرج له من الماء تذكّره بأنه ما زال قادرًا على الانتظار، وبأن الصبر ليس ضعفًا، بل نوع من الحكمة التي لا يفهمها إلا البحر.

لكن خلفه، جلست زوجته على كرسيٍّ بلاستيكيٍّ صغير، تضع حقيبتها بجانبها وتحدّق في البحر بعينٍ نصف مغمضة، وفي نظرتها مزيج من الملل والحنان. قالت في نفسها بصمتٍ ساخرٍ خفيف: “الله يعيننا على هالهواية اللي ما تخلص.”

كانت تحضر معه دائمًا، ليس حبًا في الصيد، بل خوفًا عليه من أن يقع في البحر، فهو رغم شيخوخته لا يزال يندفع كطفلٍ يرى العجائب. تحضر قهوةً صغيرة وكتابًا لا تكمله أبدًا، وتجلس تراقب الموج أكثر مما تراقب الصفحات.

وبينما كانت تمسح على جبينها من حرارة الشمس، اهتزّ الخيط فجأة! انحنى الصياد للأمام بحدة، كأن شرارة حياةٍ جديدة اشتعلت فيه. صرخ بصوتٍ ملأ الممشى البحري: “جابت! جابت! سمكة عمرها ما طلعت لي!”

وقف على قدميه بقوةٍ لا تليق بعمره، يسحب الخيط بكل ما أوتي من حماسٍ ودهشة. الموج يقاومه، والبحر لا يريد أن يسلّم كنزه بسهولة، لكنه يبتسم بعنادٍ جميل، كأنه يقول للبحر: “عرفتك يا رفيق، ما عاد تخيفني.”

زوجته تنظر إليه وتهمس: “يا رب لا ينقطع الخيط ولا يقع هو بعده.” لكنها رغم ذلك تبتسم بخفة. هي تعرف أنه حين يُمسك بالخيط كأنه يمسك بالحياة ذاتها، وأن هذه اللحظة الصغيرة تعني له أكثر من أي احتفالٍ آخر.

بعد مقاومةٍ طويلةٍ بين رجلٍ والبحر، ارتفعت السمكة أخيرًا من الماء، تتأرجح في الهواء بلونٍ فضّيٍّ لامعٍ يخطف الأنظار. ضحك الصياد بفرحٍ صادقٍ، كأنه طفلٌ وجد لعبته الضائعة بعد أعوام. رفعها عاليًا وهو ينادي: “شوفي! شوفي يا أم عبدالله! شوفي وش اصطدت!”

رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى السمكة ثم إليه، وقالت بنبرةٍ باردةٍ تشبه نسمات البحر: “الله يعينني على طبخها… شكلها تحتاج قدرٍ لحالها.”

ضحك الصياد ضحكةً خرجت من القلب، وقال وهو يضع السمكة في السلة: “وأنا ظنيت الفرح بينّا مشترك.”

اقتربت منه وقالت وهي تلتقط حقيبتها: “هو فعلاً مشترك… أنت تفرح بالصيد، وأنا أتحمّل نتائجه.”

ابتسم البحر بخبث، وحرّك موجته بخفةٍ عند قدميهما كأنه يقول بصوته الأزليّ: “كلٌّ يصطاد بطريقته… هو يصطاد السمك، وهي تصطاد الصبر.”


#قصص_البحر #صباح_الخير_والسعاده #صباح_الأشياء_المُشرقة #SouadWriter 💙

تعليقات