بعض الأشياء خُلقت لترحل | حين يصبح الفقد بداية جديد
بعض الأشياء خُلقت لترحل
لم أفهم الرسالة في اللحظة نفسها.
كل ما حدث أن شيئًا كان معي، ثم فجأة لم يعد معي.
حقيبة فيها ملابس وأشياء شخصية رافقتني في رحلة، ثم اختفت تحت ظرف لم أختره أنا. وفي اللحظة الأولى كان طبيعيًا أن أشعر بالصدمة؛ ليس لأن كل ما فيها كان ثمينًا، بل لأن فكرة أن شيئًا يخصك كان موجودًا قبل ساعات ثم أصبح فجأة خارج حياتك، مربكة بحد ذاتها.
لكن بعد أن هدأت اللحظة، بدأت أتذكر محتويات الحقيبة واحدة واحدة.
وهنا حدث شيء لم أتوقعه.
جاكيت قديم رافقني سنوات وسفرات كثيرة. ملابس اشتريتها يومًا ولم أحبها فعلًا، ومع ذلك ظلت عندي. قطع كنت أرتديها لأنها موجودة، لا لأنني ما زلت أختارها. أشياء أخرى كانت جميلة وعزيزة في وقتها، ثم انتهى بها الحال سنوات في قاع الدولاب.
لم أرمها.
ولم أقل يومًا: انتهى وقتها.
فقط تركتها هناك.
وظلت موجودة، فظننت أن وجودها يعني أنني ما زلت أريدها.
وحين اختفت فجأة، اكتشفت أنني لا أريد استعادتها كما توقعت.
خليها تروح.
هذه الجملة بقيت في رأسي.
لماذا كان من السهل عليّ أن أقولها؟
وبعد أيام فهمت.
ربما لأن بعض تلك الأشياء لم تخرج من حياتي يوم اختفت الحقيبة.
كانت قد خرجت منذ زمن.
كل ما حدث أن وجودها المادي تأخر في الرحيل.
وهنا أدركت أن الإنسان قد يحتفظ بأشياء كثيرة ليس لأنه يحتاجها، ولا حتى لأنه ما زال يحبها، وإنما لأنها كانت يومًا جزءًا منه.
قطعة ملابس.
هدية.
مكان.
عادة.
ذكرى.
مرحلة كاملة من العمر.
وأحيانًا… إنسان.
قد نفقد شخصًا نحبه، أو يبتعد عنا شخص كان قريبًا، أو تنتهي علاقة، أو نفترق عند طريق لم نكن نتوقع يومًا أن نفترق عنده.
ونظل ممسكين بصورة قديمة لذلك الإنسان أو لتلك العلاقة، لأن ما كان بيننا يومًا كان عزيزًا.
لكنني بدأت أفهم شيئًا آخر:
ليس كل شيء عزيز يجب أن يبقى.
قد يكون الشيء غاليًا جدًا في وقته، ثم ينتهي وقته.
وقد يكون الإنسان عزيزًا، وتبقى له مكانته وذكراه، ومع ذلك لا يعود له مكان في حياتنا الحالية.
وهذا لا ينتقص من قيمته.
ولا يلغي ما كان.
ولا يعني أن الذكرى أصبحت بلا معنى.
إنما يعني ببساطة أن لكل شيء زمنًا.
وربما نحن نتعب لأننا نحاول أحيانًا إعادة الأشياء إلى أماكن لم تعد تناسبها.
نريد الشيء كما كان.
ونريد الإنسان كما كان.
ونريد أنفسنا كما كنا.
لكن الزمن لا يعمل بهذه الطريقة.
حتى الأشياء التي تعود إلينا بعد غياب، لا تعود دائمًا إلى المكان نفسه.
لأن المكان تغيّر.
ولأننا تغيّرنا نحن أيضًا.
ولهذا فهمت أن هناك فرقًا كبيرًا بين الفقد والقبول.
الفقد يحدث لنا، وأحيانًا بلا إرادة منا.
أما القبول فهو اللحظة التي نقول فيها:
حدث ما حدث… وسأكمل.
ليس لأن ما رحل لم يكن عزيزًا.
بل لأن عزّته لا تفرض عليّ أن أحمله معي إلى الأبد.
بعد عودتي فتحت حقيبة أخرى كانت عندي.
وضعت فيها الملابس الجديدة التي اخترتها بنفسي، والتي أحببتها فعلًا.
نظرت إلى الحقيبة للحظة، وشعرت أن المشهد كله تغيّر.
لم أرها بديلًا عن الحقيبة التي اختفت.
رأيتها بطريقة مختلفة تمامًا.
هذه ليست حقيبة لما فقدته.
هذه حقيبة لما هو قادم.
ربما كان هذا هو الدرس كله.
نحن نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا ونحن نحاول المحافظة على الأشياء: نخزنها، ونرتبها، ونحملها معنا من بيت إلى بيت، ومن سفر إلى سفر، ومن مرحلة إلى مرحلة.
ونفعل الشيء نفسه داخل قلوبنا.
نحمل ذكريات، وعلاقات، وأحزانًا، وصورًا قديمة لأنفسنا، وأشياء انتهت منذ زمن، فقط لأننا لم نتخذ قرارًا صريحًا بتركها.
ثم يحدث أحيانًا شيء خارج إرادتنا، فيسقط شيء من أيدينا.
وفي البداية نقول:
لقد فقدته.
ثم تمر الأيام، فنكتشف حقيقة مختلفة:
ربما كنا مستعدين لتركه منذ زمن، ولم نكن نعرف.
ومن يدري؟ ربما بعض المساحات الجديدة في حياتنا لا تظهر إلا بعد أن يخرج منها شيء قديم.
ليس كل رحيل عقوبة.
وليس كل فقد نهاية سيئة.
وأنا لا أقول إن كل ما نفقده يجب أن نفرح بفقده، ولا إن الألم بلا معنى.
لكنني تعلمت أن أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا.
بدل أن أقول دائمًا:
لماذا رحل؟
ربما أحتاج أحيانًا أن أسأل:
لماذا كنت ما زلت أحمله؟
وهنا تغيّرت الحكاية كلها.
لم تعد حكاية حقيبة اختفت.
أصبحت حكاية أشياء كثيرة في الحياة نظن أننا فقدناها في اللحظة التي رحلت فيها، بينما الحقيقة أنها ربما كانت قد أنهت دورها في حياتنا قبل ذلك بوقت طويل.
ونحن فقط تأخرنا في ملاحظة ذلك.
لحظة يقين
بعض الأشياء لا نملك شجاعة إخراجها من حياتنا، فتظل سنوات في قاع دولاب… أو في زاوية من القلب.
ثم يأتي يوم وترحل دون أن نستعد لرحيلها.
فنمد أيدينا خلفها للحظة…
ثم نكتشف أننا لا نريد إعادتها.
ليس لأنها لم تكن عزيزة.
بل لأنها كانت عزيزة في زمنها.
وما مضى لا يحتاج أن يبقى معنا إلى الأبد حتى نعترف بأنه كان جميلًا.
أحيانًا يكفي أن نشكره على ما كان…
ثم نقول له بهدوء: خلاص… خليها تروح.
تعليقات
إرسال تعليق