لستُ آسفة لأنني اخترت نفسي
لستُ آسفة لأنني اخترت نفسي
نقضي أعوامًا طويلة ونحن نظن أن الطيبة تعني أن نتحمل أكثر، وأن الوفاء يفرض علينا أن نبقى مهما أصابنا من تعب، وأن محبتنا للآخرين تُقاس بمقدار ما نتنازل عنه من حقوقنا وراحتنا وأحلامنا. نعتذر حين لا نخطئ، ونصمت حين يجب أن نتكلم، ونمنح الفرص تلو الفرص؛ خوفًا من أن نُتهم بالقسوة أو الأنانية أو قلة الوفاء.
لكننا نكتشف، بعد رحلة طويلة، أن الإنسان قد يخسر نفسه وهو يحاول ألّا يخسر الآخرين.
في مرحلة ما من حياتي، أدركت أنني كنت كريمة في العطاء إلى درجة أرهقتني. كنت أرى أعذار الناس قبل أن أرى أثر أفعالهم في قلبي، وأفهم ظروفهم قبل أن أسأل نفسي عمّا أحتاج إليه. كنت أجد مبررات كثيرة لمن خذلني، وأمنح فرصًا جديدة لمن لم يحسن تقدير الفرص السابقة.
لم يكن ذلك ضعفًا، بل كان جزءًا من طبيعتي. كنت أؤمن أن المودة تُصلح ما أفسدته الأيام، وأن الصبر قادر على إعادة الأشياء إلى مواضعها. لكن الصبر، حين يكون من طرف واحد، لا يُصلح العلاقة؛ بل يؤجل الاعتراف بحقيقتها.
كنت أظن أن التراجع عن علاقة متعبة أو موقف يستنزفني يعني أنني فشلت. ثم فهمت أن بعض الانسحابات ليست هزيمة، بل نجاة. وأن إغلاق باب يؤذينا لا يعني أننا لا نملك الوفاء، وإنما يعني أننا تعلمنا أخيرًا أن نكون أوفياء لأنفسنا أيضًا.
لم أصل إلى هذه القناعة بسهولة. سبقتها أسئلة كثيرة، ولحظات تردد، ومحاولات للإصلاح، ومراجعات لا تنتهي. كنت أسأل نفسي: هل تسرعت؟ هل كان ينبغي أن أصبر أكثر؟ هل ظلمت أحدًا حين وضعت حدًا واضحًا؟ وربما كان أصعب ما واجهته هو شعوري بأن عليّ أن أشرح قراراتي للجميع، وكأن حماية نفسي تهمة تحتاج إلى دفاع.
ثم أدركت حقيقة بسيطة: ليس كل من استاء من حدودي مظلومًا، فقد يكون مستاءً فقط لأنه اعتاد أن أعيش بلا حدود.
اختيار النفس لا يعني أن يصبح الإنسان قاسيًا أو أن يتنكر للجميل. ولا يعني أن يتوقف عن العطاء أو المحبة. بل يعني أن يعطي بوعي، ويحب بكرامة، ويبقى حيث يجد الاحترام المتبادل، ويرحل حين يتحول وجوده إلى استنزاف دائم.
تعلمت أن أقول «لا» حين تكون «نعم» خيانة لراحتي. وأن أتوقف عن حمل مسؤوليات لا تخصني. وأن أساعد الآخرين من غير أن أضع نفسي دائمًا في نهاية القائمة. فالإنسان لا يستطيع أن يواصل العطاء من قلب أُنهك، ولا أن يبني الطمأنينة للآخرين وهو يعيش داخله في فوضى مستمرة.
لست آسفة على المرات التي اخترت فيها سلامي النفسي، ولا على الأبواب التي أغلقتها بعد أن استنفدت محاولاتي. لست آسفة على المسافات التي وضعتها بيني وبين كل ما يربكني ويستنزفني. ولست آسفة على الأحلام التي عدت إليها بعدما أهملتها طويلًا وأنا منشغلة بأحلام غيري.
أنا ممتنة لكل مرحلة علمتني أن الكرامة ليست كبرياء، وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى، وأن الغفران لا يلزمنا دائمًا بإعادة الأشخاص إلى الأماكن نفسها في حياتنا.
يمكنني أن أغفر وأمضي، وأن أدعو للآخرين بالخير من بعيد، وأن أحفظ ما كان جميلًا من دون أن أعود إلى ما كان يؤلمني. ليس كل فراق عداوة، وليس كل ابتعاد عقوبة؛ أحيانًا يكون الابتعاد هو الحل الأكثر رحمة بالجميع.
لقد تغيرت نظرتي للخسارة أيضًا. لم أعد أرى كل من غادر خسارة، ولا كل ما انتهى فشلًا. بعض النهايات تحمينا من أعوام أخرى من التعب، وبعض الأبواب المغلقة تعيد توجيهنا نحو حياة أكثر صدقًا معنا.
قد نحزن عند النهاية، حتى عندما نعرف أنها القرار الصحيح. وقد نشتاق إلى أشياء لا تصلح لنا، لأن القلب لا يتغير بالسرعة نفسها التي يصل بها العقل إلى الحقيقة. وهذا لا يجعل قرارنا خاطئًا؛ بل يجعلنا بشرًا نحمل الذكريات والمشاعر، ونتعلم أن نمضي بها من غير أن تسمح لها بقيادتنا إلى الوراء.
اليوم لا أبحث عن حياة خالية من الخلافات، ولا أتوقع من الناس الكمال. لكنني أعرف الفرق بين خطأ عابر وأذى يتكرر، وبين علاقة تحتاج إلى تفاهم وعلاقة لا تستمر إلا على حساب طرف واحد. أعرف أن الاعتذار الحقيقي يتبعه تغيير، وأن المحبة لا تظهر في الكلام وحده، بل في الأمان والاحترام والوضوح وتحمل المسؤولية.
وأعرف، قبل ذلك كله، أن قيمتي لا يحددها بقاء أحد أو رحيله، ولا موافقة الناس على قراراتي. قيمتي ثابتة بما وهبني الله من روح وعقل وكرامة، وبما أبذله من سعي صادق لأعيش بما يرضيه ويحفظني.
لم أعد أريد أن أعيش بقية عمري وأنا أبرر حقي في الراحة. لا أريد أن أعتذر لأنني وضعت حدودًا، أو لأنني اخترت طريقًا يناسبني، أو لأنني قررت أن أبدأ من جديد. فالبدايات الجديدة ليست إنكارًا للماضي، بل ثمرة لما تعلمناه منه.
أنا لا أنكر أخطائي، ولا أدّعي أنني كنت دائمًا على صواب. أراجع نفسي وأعتذر حين أخطئ، لأن الاعتذار شجاعة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاعتذار عن خطأ ارتكبناه، والاعتذار عن حق مشروع في أن نعيش بسلام. الأول نضج، أما الثاني فقد يتحول إلى تنازل مستمر عن الذات.
لهذا أقول اليوم بطمأنينة: لست آسفة لأنني تغيرت. لست آسفة لأنني أصبحت أكثر وعيًا بمن أسمح له بالاقتراب مني، وبما أقبله وما أرفضه. لست آسفة لأنني تعلمت أن الحب الذي يُفقدني نفسي ليس حبًا يليق بي، وأن الطريق الذي يستهلك روحي ليس قدري الوحيد.
ربما تأخرت في اختيار نفسي، لكن لكل إنسان لحظته التي يرى فيها الأمور بوضوح. وما يبدو تأخرًا قد يكون الوقت الذي احتجناه حتى ننضج، ونفهم، ونمتلك الشجاعة الكافية لاتخاذ القرار.
لا أحمل ندمًا على ما أعطيته بحسن نية؛ فالعطاء الصادق لا ينقص من صاحبه، حتى إن وُضع في المكان الخطأ. ولا ألوم النسخة القديمة مني، فقد فعلت ما استطاعت بما كانت تعرفه حينها. بل أحتضنها بمحبة، وأشكرها لأنها صبرت حتى أوصلتني إلى هذه النسخة الأكثر وعيًا وهدوءًا.
واليوم، حين ألتفت إلى الوراء، لا أقول: ليتني لم أحب، ولم أعطِ، ولم أصبر. بل أقول: الحمد لله أنني تعلمت. فكل تجربة، مهما كانت مؤلمة، تركت في داخلي بصيرة، وكل نهاية قادتني إلى بداية، وكل لحظة شعرت فيها بأنني وحدي أعادتني إلى الله وإلى نفسي.
أنا الآن لا أبحث عمّن يكملني؛ فأنا لست نصفًا ينتظر نصفًا آخر. أبحث عمّن يشاركني الطريق بمحبة واحترام، ومن لا يستطيع ذلك فله طريقه ولي طريقي. لا خصومة ولا انتقام، وإنما حدود تحفظ لكل إنسان كرامته وسلامه.
هذه ليست قصة امرأة قسا قلبها، بل قصة امرأة رقّ قلبها لنفسها أخيرًا. امرأة أدركت أن إنقاذ ذاتها ليس أنانية، وأن السلام لا يُشترى برضا الجميع، وأنها تستطيع أن تبدأ من جديد مهما مضى من العمر.
لذلك، أنا لست آسفة على اختياري لنفسي. لست آسفة على نجاتي، ولا على صوتي الذي استعدته، ولا على الحياة التي أريد أن أبنيها بوعي ويقين.
وما دام الله معي، فإن ما غادرني لم يكن نهاية حكايتي، وما ينتظرني قد يكون أجمل مما تركته خلفي.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
تعليقات
إرسال تعليق