لحظة يقينSOUAD WRITES

كتابة تُصغي إلى الداخل

لا زلنا بخير

 

لا زلنا بخير



هناك أشياء صغيرة جدًا لا ننتبه إلى أنها تطمئننا، إلا حين تغيب.

وجوه نراها في الطريق، رجل يجلس كل مساء على المقعد نفسه، امرأة تمشي بخطوات هادئة في الوقت ذاته تقريبًا، مجموعة أصدقاء اعتادوا الوقوف عند مكان معين، وبائع نمر أمامه من غير أن نشتري منه شيئًا.

لا نعرف أسماءهم، ولا يعرفون أسماءنا.

ومع ذلك، يصبح وجودهم جزءًا صغيرًا من حياتنا.

كل يوم تقريبًا أمشي عند البحر. أذهب إلى الكورنيش، وأسلك الطريق الذي اعتدته، وأراقب البحر والناس والحركة من حولي. ومع تكرار الأيام بدأت أتعرف إلى وجوه لم أتحدث معها يومًا.

أعرفها فقط لأنها هناك.

هذا يمشي في الوقت نفسه تقريبًا، وذاك يجلس في مكانه المعتاد، وتلك تمارس رياضتها بالطريقة نفسها. بعضهم أراه منذ فترة طويلة، وبعضهم أصبح وجهه مألوفًا من كثرة ما مررنا بجانب بعضنا من دون كلمة واحدة.

ثم أنقطع أحيانًا.

تمر أيام، وربما بضعة أسابيع، لا أذهب فيها إلى الكورنيش. تشغلني الحياة بأشياء أخرى، وتتغير مواعيدي، وينقطع ذلك الروتين الصغير.

وحين أعود، يحدث شيء غريب.

أبحث بعيني، من غير قصد، عن الوجوه القديمة.

فإذا رأيت الرجل نفسه يمشي، والمرأة نفسها في طريقها، والمجموعة نفسها في مكانها، أشعر براحة يصعب تفسيرها.

وأقول في نفسي:

الحمد لله… لا زلنا بخير.

قد تبدو العبارة أكبر من الموقف، لكنها بالنسبة لي ليست كذلك.

أنا لا أعرف هؤلاء الناس، ولا أعرف ماذا حدث لهم منذ آخر مرة رأيتهم فيها. ربما مرّ أحدهم بأيام ثقيلة، وربما تلقى آخر خبرًا سعيدًا، وربما تغيّرت في حياتهم أشياء كثيرة لا تظهر على وجوههم وهم يمشون بمحاذاة البحر.

لكنهم ما زالوا هنا.

وأنا أيضًا عدت.

وهذه وحدها نعمة.

الوجوه التي تصبح علامات في الطريق

نعتقد عادة أن علاقتنا بالناس تبدأ بالكلام والتعارف، لكن الحياة تصنع نوعًا آخر من الألفة.

ألفة بلا أسماء.

هناك أشخاص لا تربطنا بهم صداقة ولا قرابة، ومع ذلك يصبحون جزءًا من المشهد الذي نطمئن إليه.

مثل شجرة نمر بها كل يوم، أو مقهى نعرف أن أنواره ستضيء عند المساء، أو نافذة نراها مضاءة كلما عدنا إلى البيت.

وجود الأشياء في أماكنها يمنحنا شعورًا بالاستمرار.

والوجوه المألوفة تفعل الشيء نفسه.

ربما لهذا السبب نلاحظ غياب شخص اعتدنا رؤيته رغم أننا لم نتحدث معه أبدًا. نمر من المكان ونبحث عنه تلقائيًا، ثم نتساءل: أين ذهب؟

وحين يعود بعد غياب نشعر بشيء يشبه الاطمئنان.

ليس لأننا نعرف قصته، بل لأن عودته أعادت قطعة صغيرة إلى مكانها.

البحر يعرف كم تغيرنا

البحر نفسه يعلّمنا شيئًا عن الاستمرار.

كل مرة نأتي إليه يبدو لنا البحر ذاته، لكنه ليس البحر نفسه تمامًا.

ماؤه يتحرك باستمرار، موجه يتغير، السماء فوقه لا تتكرر، والناس الذين يقفون أمامه يحمل كل واحد منهم قصة مختلفة عن الأمس.

ونحن أيضًا لسنا الأشخاص أنفسهم الذين مروا من هنا قبل شهر أو سنة.

قد نسير في الطريق ذاته، لكننا نحمل أفكارًا جديدة، وخيبات تجاوزنا بعضها، وأمورًا كنا نخاف منها ثم مرت، وأشياء لم نكن نعرف أنها تنتظرنا.

ومع ذلك نعود.

ربما لهذا أحب المشي عند البحر.

ففيه شيء يذكّرني بأن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى أحداث كبيرة حتى تخبرنا أننا بخير.

أحيانًا يكفي أن تمشي.

أن تتنفس.

أن ترى البحر.

وأن تجد بعض الوجوه التي تركتها هنا منذ أسابيع لا تزال تمر في الطريق نفسه.

كم من النعم لا نراها لأنها تتكرر؟

نحن بارعون في ملاحظة ما ينقصنا.

نلاحظ الأمر الذي لم يتحقق، والخطة التي تعطلت، والشيء الذي فقدناه، والباب الذي لم يُفتح.

لكننا نادرًا ما نتوقف أمام الأشياء التي بقيت.

الصحة التي تسمح لنا بأن نخرج ونمشي.

القدمان اللتان تحملاننا.

العينان اللتان تريان البحر.

القدرة على العودة إلى مكان نحبه.

والأشخاص الذين ما زالوا حولنا.

التكرار يجعل النعمة عادية في أعيننا.

نستيقظ فنفترض أننا سنستيقظ غدًا. نرى الأشخاص الذين نحبهم فنفترض أنهم سيكونون موجودين دائمًا. نسير في طرقنا المعتادة وكأنها حق مضمون، لا هدية تتجدد.

حتى يأتي غياب ما، فنفهم قيمة الحضور.

ربما لهذا أصبحت جملتي الصغيرة عند العودة إلى الكورنيش تحمل معنى مختلفًا:

الحمد لله، لا زلنا بخير.

ليست إعلانًا بأن كل شيء مثالي.

وليست إنكارًا للتعب أو المشكلات أو الخسارات.

بل اعتراف بأن وسط كل ما يتغير، هناك أشياء ما زالت قائمة وتستحق الحمد.

لا زلنا هنا

مع مرور السنوات يتغير معنى كلمة «بخير».

في مرحلة من العمر قد نعتقد أن الخير يعني أن تسير كل خططنا كما أردنا، وأن نحصل على ما نطلبه، وألا يعكر يومنا شيء.

ثم تعلمنا الحياة تعريفًا أكثر هدوءًا.

أن تكون بخير لا يعني أن تخلو حياتك من القلق.

ولا أن تتحقق كل أمنياتك.

ولا أن يبقى كل شيء كما كان.

أحيانًا أن تكون بخير يعني ببساطة أنك ما زلت قادرًا على البدء من جديد صباحًا، وأن لديك شخصًا تسأل عنه ويسأل عنك، وأن جسدك يسمح لك بأن تمشي بجوار البحر، وأن قلبك ما زال قادرًا على ملاحظة الجمال والامتنان له.

وأنك، بعد غياب، تستطيع العودة.

في المرة القادمة التي أمر فيها على الكورنيش، سأرى على الأغلب بعض الوجوه نفسها.

لن يعرفوا أن وجودهم أسعدني.

لن يعرف الرجل الذي يمشي أمام البحر أن رؤيته بعد أسابيع جعلتني أطمئن، ولن تعرف المرأة التي تسير في طريقها المعتاد أنها أصبحت دون قصد علامة صغيرة في ذاكرة شخص غريب.

وربما أنا أيضًا وجه مألوف بالنسبة لأحدهم.

ربما غبت يومًا فلاحظ أحدهم غيابي.

وربما حين عدت ورآني أمشي في المكان نفسه، قال في داخله شيئًا قريبًا مما أقوله أنا.

من يدري؟

الحياة مليئة بعلاقات صغيرة لا أسماء لها.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

في كل مرة أعود فيها بعد غياب، وأجد البحر في مكانه، والناس يمشون، والوجوه المألوفة ما زالت تمر من أمامي، أشعر أن الحياة تقول لي بهدوء:

ما زالت هناك أيام.

وما زالت هناك خطوات.

وما زال هناك متسع لنعيش، ونحب، ونحمد الله على الأشياء التي حسبناها عادية وهي ليست كذلك أبدًا.

فأبتسم، وأكمل طريقي، وأقول في نفسي:

الحمد لله… لا زلنا بخير.



تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة