بعض الأبواب يكفي أن نغلقها بهدوء
بعض الأبواب يكفي أن نغلقها بهدوء
كتبت رسالة طويلة، ثم تركتها دون إرسال.
قرأتها مرة، ثم عدت أقرأها كأنني أبحث فيها عن جملة تستطيع أخيرًا أن تشرح ما عجزت عنه المحاولات السابقة. حذفت كلمات خشيت أن تُفهم بقسوة، وأضفت أخرى ظننت أنها ستجعل موقفي أوضح.
كنت أريد أن أقول كل شيء، وألا أترك مجالًا لسوء الفهم.
لكنني، كلما اقتربت من نهاية الرسالة، تذكرت أنني قلت معظم هذا الكلام من قبل.
بعبارات مختلفة، وفي أوقات متباعدة، وبهدوء أحيانًا وبتعب أحيانًا أخرى.
وضعت الهاتف جانبًا، وسألت نفسي: ما الذي أنتظره من رسالة أخرى؟
لم تكن الإجابة جاهزة. كنت أعرف فقط أنني متعبة، وأنني لم أعد أريد قضاء ليلة جديدة أراجع فيها كلماتي وأتخيل الردود الممكنة عليها.
في تلك اللحظة، بدأت أفكر أن بعض الأبواب قد لا تحتاج إلى خطاب أخير.
اعتدت أن أظن أن نهاية أي أمر تحتاج إلى وضوح كامل.
أن نجلس، ونتحدث، ونراجع ما حدث، ثم نصل إلى تفسير يرضي الجميع. كنت أتخيل أن الباب لا يُغلق حقًا حتى نعترف بما جرى، ويأخذ كل شخص فرصته في الكلام، وتستقر الأشياء في أماكنها.
هذا جميل حين يكون ممكنًا.
هناك علاقات تستحق حوارًا إضافيًا، ومواقف يتغير معناها حين نسمع الطرف الآخر. وقد ننقذ بالكلام شيئًا كاد يضيع بسبب افتراض لم نتحقق منه.
لكنني عرفت أيضًا مواقف طال فيها الشرح، وظل موضع الألم كما هو.
كنت أخرج من الحديث براحة مؤقتة، ثم أعود بعد أيام إلى السؤال نفسه: لماذا لم يتغير شيء؟
ومع التكرار، بدأت أميز بين حوار يفتح طريقًا، وحوار يجعلني أدور حول التعب ذاته.
أحيانًا نبقي الباب مواربًا لأننا ننتظر اعتذارًا.
نريد أن يعترف أحدهم بأنه آذانا، أو أنه لم يفهمنا، أو أنه كان يستطيع أن يتصرف برفق أكبر. نتخيل أن سماع هذه الكلمات سيعيد ترتيب ما حدث داخلنا.
وقد يخفف الاعتذار الصادق أشياء كثيرة فعلًا.
لكن ماذا لو لم يأتِ؟
هل تظل أيامنا معلقة إلى أن يرى الآخر الحكاية كما رأيناها؟
هذا السؤال أزعجني، لأنني أدركت مقدار الوقت الذي قد نتركه في يد شخص آخر. نتابع، ونفسر الصمت، ونترقب رسالة، ونعود إلى تفاصيل صغيرة نمنحها معاني أكبر مما تحتمل.
وفي أثناء ذلك، تمضي حياتنا خارج ذلك الباب.
هناك صباحات لم ننتبه إليها، وأحاديث جميلة كنا حاضرين فيها بأجسادنا فقط، وأعمال أجلناها لأن جزءًا من انتباهنا ظل ينتظر.
لم تكن الأبواب التي فكرت في إغلاقها مرتبطة بالناس وحدهم.
كان بينها عمل وافقت عليه بحماس، ثم اكتشفت أن الاستمرار فيه يرهقني أكثر مما أستطيع. وطلب اعتدت تلبيته حتى صار رفضه يبدو كأنه إساءة. والتزام قديم لم أعد أعرف لماذا أحافظ عليه، سوى أنني بدأت به يومًا.
بعض هذه الأبواب فتحته بنفسي، ولهذا شعرت أن عليّ تحمل بقائه مفتوحًا.
كأن الموافقة الأولى لا تسمح بالمراجعة، وكأن معرفتي الجديدة بحدودي لا تستحق أن تدخل في القرار.
لكن الإنسان قد يوافق وهو لا يعرف حجم المسؤولية، ثم يفهمها حين يعيشها. وقد تتغير ظروفه، أو صحته، أو قدرته على العطاء.
ومن حقه عندها أن يعيد النظر، مع احترام ما يترتب على اختياره من مسؤوليات.
احتجت وقتًا لأفهم أن الإغلاق الهادئ لا يعني الاختفاء دون كلمة.
إذا كان هناك من ينتظر مني جوابًا، فمن الإنصاف أن أجيبه. وإذا كان بيننا عمل، فعليّ أن أوضح موقفي وأسلم ما التزمت به أو أتفق على طريقة لإنهائه.
هناك أبواب لا تُغلق بمجرد تجاهلها، لأن وراءها حقوقًا وأشخاصًا يتأثرون بما نفعل.
لكن الوضوح لا يحتاج دائمًا إلى شرح طويل.
قد تكفي جملة صادقة: لا أستطيع الاستمرار. أو: هذا الترتيب لم يعد مناسبًا لي. أو: أحتاج أن تكون علاقتنا بحدود مختلفة.
كنت أستصعب هذه الجمل لقصرها، فأحملها تفاصيل كثيرة، كأنني أطلب الإذن كي أشعر بما أشعر به.
ثم تعلمت أن أشرح بقدر الحاجة، وأن أترك للآخر حق الاختلاف دون أن أحول قراري إلى مرافعة.
ومع ذلك، بقي سؤال لا يصح تجاوزه: هل أغلق الباب لأنني أعرف أن البقاء يؤذيني، أم لأن الحديث الصعب يخيفني؟
قد نسمّي الهروب راحة، وقد نتخذ قرارًا دائمًا ونحن تحت أثر غضب عابر.
لهذا لم أرد أن يصبح الإغلاق إجابتي عن كل خلاف.
بعض العلاقات تحتمل الاختلاف، وتحتاج إلى فرصة عادلة للإصلاح. وبعض المواقف تكشف لنا خطأ ارتكبناه نحن أيضًا، ويكون الاعتراف به بداية أفضل من الانسحاب.
حاولت أن أنظر إلى ما يتكرر، لا إلى ما حدث مرة واحدة. وأن أسأل: هل قلت ما أحتاجه بوضوح؟ هل رأيت استعدادًا حقيقيًا للتغيير؟ وهل أبقى لأنني أريد هذه العلاقة، أم لأنني أخشى الشعور بالذنب إن غادرت؟
لم تمنحني الأسئلة يقينًا كاملًا، لكنها جعلت قراري أكثر اتزانًا.
وحين أغلقت بعض الأبواب، لم أشعر بالراحة فورًا.
افتقدت أشياء اعتدت عليها، ومددت يدي إلى الهاتف أكثر من مرة. راجعت قراري في أيام هادئة، وتساءلت إن كنت قد بالغت.
كان الاعتياد قويًا، حتى حين كان ما اعتدت عليه متعبًا.
اكتشفت أن الفراغ الذي يأتي بعد النهاية يحتاج إلى وقت. كنا نخصص لذلك الأمر جزءًا من يومنا وانتباهنا، وحين يتوقف، لا نعرف مباشرة أين نضع كل هذه المساحة.
ليس عليّ أن أملأها بسرعة.
يمكنني أن أتركها هادئة قليلًا، وأن أعود إلى تفاصيل أهملتها، وإلى أشخاص أرتاح معهم، وإلى يوم لا أقضي نصفه في الاستعداد لموقف أخشاه.
شيئًا فشيئًا، بدأت ألاحظ أنني أنام دون مراجعة حوار كامل، وأن مزاجي لا يتوقف على رسالة.
لم أحتج إلى إقناع الجميع بأنني محقة.
وهذه كانت من أصعب الأشياء.
قد يفسر أحدهم ابتعادي بطريقته، وقد يظن أنني تغيرت، وقد لا يعرف أصلًا كم حاولت قبل أن أصل إلى قراري.
كنت أرغب في تصحيح كل صورة ناقصة عني. لكنني أدركت أن ذلك قد يعيدني إلى الباب نفسه، أطرقه من جديد كي أشرح لماذا أغلقته.
توقفت عن المحاولة بالتدريج.
احتفظت بما تعلمته، واعترفت بما أخطأت فيه، وتركت ما لا أستطيع التحكم فيه لأصحابه.
لم أصبح بلا حزن، ولم تتحول التجربة كلها إلى ذكرى خفيفة. لكنني صرت أستطيع تذكرها دون أن أشعر بأن عليّ العودة إليها لإصلاح نهايتها.
بعض النهايات تبقى ناقصة في روايتها، ومع ذلك نستطيع أن نعيش بعدها حياة كاملة.
لحظة يقين
عدت إلى الرسالة التي لم أرسلها.
قرأتها بهدوء، ثم أدركت أنها أدت دورها بالفعل. ساعدتني على فهم ما أشعر به، ولم يعد ضروريًا أن تصل إلى أحد.
أغلقتها، ووضعت الهاتف جانبًا.
لم تكن هناك لحظة انتصار، ولا رغبة في أن يندم أحد. كان هناك مساء عادي، ووقت أستطيع أخيرًا أن أعيشه دون انتظار.
بعض الأبواب يكفي أن نغلقها بهدوء، ثم نعود إلى حياتنا.

تعليقات
إرسال تعليق