حديث الغربان: حين تعلّمت أن للفرص وقتًا
حديث الغربان: حين تعلّمت أن للفرص وقتًا
كعادتي في الصباح، أمارس رياضة المشي في الكورنيش. أسلك الطريق نفسه تقريبًا، أتم دورتي المعتادة، وأعود من المسار الذي أصبحت أعرف تفاصيله الصغيرة؛ البحر، والنخيل، والمقاعد، والقطط التي اعتادت المكان، وحتى الغربان التي صرت أراها كل يوم تقريبًا.
في ذلك الصباح وضعت بعض الطعام للقطط. أكلت منه، ثم بقي شيء قليل متناثر على الأرض. وعلى مقربة منه تمددت إحدى القطط بهدوء، وكأنها تحرس ما تبقى حتى وإن لم تعد راغبة في أكله.
رفعت رأسي نحو النخيل.
كانت الغربان هناك.
بعضها بين سعف النخل، وبعضها اقترب ووقف أمامي، لكنها لم تتقدم نحو الطعام.
راقبت المشهد لبعض الوقت.
الطعام أمامها، وهي تعرف أنه موجود، وربما جاءت من أجله أصلًا، لكن القطة ما زالت في مكانها.
فانتظرت الغربان.
لا أعرف بالطبع ما الذي دار بينها، لكنني تخيلت أن لها حديثًا لا نسمعه نحن، حديثًا ربما كان يشبه هذا:
قال أحدها:
— الطعام هناك.
أجابه آخر:
— أراه.
— فلماذا لا نقترب؟
— لأن الوقت لم يحن بعد.
سكت الأول قليلًا، ثم قال:
— ولكن قد يسبقنا إليه غيرنا.
فأجابه:
— وقد نخسره إن استعجلنا. ليست كل فرصة نراها أمامنا فرصة يجب أن نقفز إليها فورًا.
بدت الجملة في خيالي أكبر من مجرد حديث بين غربان تنتظر بقايا طعام.
وكأن واحدًا آخر منها، أكثر هدوءًا، قال:
— ابقوا قريبين. راقبوا فقط. القطة لن تبقى هنا إلى الأبد.
— وكيف تعرف؟
— لا أعرف. لكنني أعرف أن الانتظار الآن أفضل من الدخول في معركة لا نحتاج إليها.
وقفت أنظر إليها، وفكرت:
كم مرة نفعل نحن العكس؟
نرى شيئًا نريده، فنعتقد أن علينا الوصول إليه فورًا.
فرصة عمل، مشروع، سفر، قرار، علاقة، حلم، أو حتى فكرة صغيرة نريد أن تتحقق بالطريقة التي رسمناها وفي الوقت الذي حددناه.
وإذا تأخرت، بدأ القلق.
لماذا لم تحدث؟
متى ستأتي؟
هل فاتتني الفرصة؟
هل يجب أن أفعل شيئًا الآن؟
وربما تكون الفرصة أمامنا بالفعل، مثل ذلك الطعام أمام الغربان، لكن الظروف المحيطة بها لم تصبح مناسبة بعد.
عاد حديثها المتخيّل:
— هل الانتظار يعني أننا خائفون؟
قال أحد الغربان:
— لا. أحيانًا يحتاج التقدم إلى شجاعة، وأحيانًا تحتاج ألا تتقدم إلى شجاعة أكبر.
— لكننا نريد الطعام.
— ولهذا بالضبط يجب ألا نفسد الفرصة باستعجالنا.
هنا ابتسمت.
كم تبدو بعض دروس الحياة بسيطة عندما نراها خارج أنفسنا.
نحن غالبًا نربط اقتناص الفرص بالسرعة. نقول: الفرصة لا تنتظر، والفرص لا تتكرر، ومن يتردد يخسر.
وفي هذا شيء من الحقيقة.
لكنها ليست الحقيقة كاملة.
فالفرصة تحتاج إلى جرأة عندما يحين وقتها، لكنها تحتاج أيضًا إلى بصيرة قبل أن يحين ذلك الوقت.
هناك فرق بين أن تكون مستعدًا، وبين أن تكون مستعجلًا.
وفرق بين أن تراقب الفرصة، وبين أن تتخلى عنها.
وفرق كبير بين الصبر والتردد.
الغربان لم تغادر.
وهذه هي النقطة التي شدتني.
لو أنها طارت بعيدًا، لكان ذلك استسلامًا. ولو اندفعت نحو الطعام والقطة ما زالت تحرسه، لكان ذلك استعجالًا.
لكنها فعلت شيئًا ثالثًا:
بقيت قريبة.
راقبت.
انتظرت.
وكأن حديثها استمر:
— وماذا نفعل الآن؟
— لا شيء.
— لا شيء؟
— بل نفعل شيئًا مهمًا جدًا… ننتظر ونحن مستعدون.
ربما هذا هو النوع من الصبر الذي نحتاجه في حياتنا.
ليس الصبر الذي يجعلنا نجلس بعيدًا ونقول: سيحدث ما سيحدث.
بل الصبر الواعي.
أن تعرف ما تريد، وأن تسعى إليه، وأن تبقى قريبًا منه، لكنك لا تحاول إجبار الحياة على أن تعطيك إياه قبل أوانه.
أحيانًا نستنزف أنفسنا ونحن نحاول فتح باب لم يحن وقت فتحه.
نطرق أكثر.
نضغط أكثر.
نقلق أكثر.
ثم نفسر عدم انفتاحه بأنه فشل.
وربما لم يكن مغلقًا في وجوهنا أصلًا.
ربما كان يحتاج إلى بعض الوقت فقط.
تذكرت أشياء كثيرة مرت في حياتي، أشياء تمنيتها ولم تأتِ عندما أردتها، ثم جاءت لاحقًا في وقت بدا أكثر ملاءمة.
وتذكرت أشياء استعجلتها، ثم اكتشفت أنني لو انتظرت قليلًا لربما رأيت الصورة بصورة أوضح.
وهنا جاءني صوت الغراب المتخيّل مرة أخرى:
— تحركت القطة.
قال الآخر:
— ليس بعد.
— لكنها ابتعدت قليلًا.
— قليلًا لا يكفي.
— إذن متى؟
— ستعرف عندما يحين الوقت.
تأملت هذه العبارة طويلًا.
ربما ليست المشكلة دائمًا في أننا لا نرى الفرص.
أحيانًا نراها جيدًا، لكننا لم نتعلم بعد فن التوقيت.
متى ننتظر؟
متى نقترب؟
ومتى نقول: الآن.
واصلت مشيي، وتركت القطة في مكانها، والغِربان في انتظارها.
لا أعرف كم بقيت.
ولا أعرف أي غراب وصل إلى الطعام أولًا.
لكنني أعرف أنني خرجت من ذلك المشهد الصغير بفكرة ظلت تمشي معي بقية الطريق:
ما كُتب لك لن يحتاج منك إلى هلع، لكنه يحتاج منك إلى استعداد.
اسعَ.
راقب.
تعلّم.
ابقَ قريبًا من أهدافك.
ولا تجعل تأخر النتيجة يقنعك بأن الطريق انتهى.
فليست كل وقفة تراجعًا، وليست كل سرعة تقدمًا، وليس كل تأخير خسارة.
بعض الفرص تحتاج منك أن تركض نحوها.
وبعضها تحتاج منك فقط أن تعرف متى تتحرك.
وغدًا، عندما أنتهي من دورتي المعتادة على الكورنيش، سأرفع رأسي نحو النخيل من جديد.
ربما أجد الغربان هناك تنتظر.
وربما تكون القطة قد انتهت من طعامها وغادرت، فأراها تنزل واحدة تلو الأخرى لتأخذ ما بقي.
وعندها سأبتسم.
لأنني سأعرف نهاية حديثها:
— الآن؟
— نعم… الآن.
فالصبر ليس أن تتخلى عما تريد، بل أن تعرف أن لكل شيء وقته، وأن تبقى مستعدًا حتى تأتي اللحظة التي تقول لك فيها الحياة: هذه فرصتك… تقدّم.
تعليقات
إرسال تعليق