لم أعد أريد ما كنت أتمناه
لم أعد أريد ما كنت أتمناه
قبل أيام، تذكرت شيئًا كنت أتمناه بشدة.
لم يحدث ما يستدعي تذكّره. مرّ أمامي فقط، كما تمرّ بنا أحيانًا صورة قديمة، فتفتح بابًا ظننا أننا أغلقناه.
توقفت عنده قليلًا، وحاولت أن أستعيد شعوري الأول نحوه؛ ذلك الحماس الذي كان يجعلني أتخيل تفاصيله، وأنتظر الفرصة التي تقرّبني منه، وأظن أن حياتي ستصبح أجمل حين يتحقق.
تذكرت كم كنت أريده.
لكنني لم أشعر بالرغبة نفسها.
وهذا ما أربكني.
كان الشيء ما يزال جميلًا، وما زلت أفهم لماذا أحببته يومًا، لكن شيئًا بيني وبينه تغيّر. كأنني عدت إلى مكان كنت أعرفه جيدًا، ثم اكتشفت أنني لم أعد أعرف أين أجلس فيه.
سألت نفسي:
لو أصبح هذا الشيء متاحًا لي اليوم، هل سأختاره؟
تأخرت الإجابة قليلًا.
ثم جاءت هادئة:
ربما لا.
لم يكن الاعتراف سهلًا كما يبدو.
نحن نتحدث كثيرًا عن التمسك بالأحلام، وعن الصبر حتى نصل، وعن الذين نجحوا لأنهم لم يتراجعوا. ولهذا قد نشعر بالحرج حين نكتشف أننا لم نعد نريد ما قضينا وقتًا طويلًا نتمناه.
نخشى أن يكون تغيّر الرغبة ضعفًا، أو أن يكون تعب الانتظار قد جعلنا نتظاهر بعدم الاهتمام.
وقد يحدث ذلك فعلًا. أحيانًا نقول إننا لا نريد شيئًا لأن الوصول إليه أصبح مؤلمًا، بينما تظل رغبتنا فيه حاضرة.
لذلك لم أكتفِ بإجابتي الأولى.
حاولت أن أكون صادقة مع نفسي: هل ما زلت أريده، لكنني أخشى المحاولة؟ أم أنني أواصل التعلق به فقط لأنني اعتدت أن أكون الشخص الذي يتمناه؟
بين السؤالين مساحة تحتاج إلى هدوء.
فليس كل تراجع حكمة، وليس كل استمرار وفاءً للنفس.
حين تمنيت ذلك الشيء أول مرة، كانت حياتي مختلفة.
كان لديّ وقت أوزعه بطريقة أخرى، وطاقة لا أحسب حسابها كثيرًا، وأولويات تبدو لي اليوم بعيدة. كنت أرى بعض الأشياء من الخارج، وأتصور أن امتلاكها سيمنحني شعورًا كنت أبحث عنه.
ربما كنت أريد التقدير، أو الاطمئنان، أو الإحساس بأنني لم أتأخر عن الآخرين.
لم أكن أكذب على نفسي. كنت أفهمها بقدر ما أعرف عنها في ذلك الوقت.
لكن السنوات أضافت إلى معرفتي أشياء لم تكن عندي.
عرفت ما يتعبني، وما يسرق راحتي، وما أستمتع به فعلًا بعد أن تنتهي فرحة البداية. وصرت أرى الثمن الذي لا يظهر في الصورة الأولى: الوقت، والالتزام، والقلق، والمساحة التي سيأخذها الشيء من يومي.
وحين نظرت إلى أمنيتي القديمة بهذه المعرفة، وجدتها تحتاج حياة لم أعد أرغب في عيشها بالطريقة نفسها.
الغريب أنني شعرت بشيء من الذنب.
كأن عليّ أن أحقق الأمنية إكرامًا للوقت الذي انتظرتها فيه. وكأن السنوات الماضية ستصبح بلا معنى إن قلت اليوم إنني تغيّرت.
لكن الوقت الذي مضى لن يعود، سواء أكملت الطريق أم تركته.
وما تعلمته أثناء المحاولة لن يختفي لمجرد أنني اخترت وجهة أخرى.
قد تمنحنا تجربة لم تكتمل معرفة نحتاجها في مكان مختلف. وقد تقرّبنا محاولة متعبة من فهم أنفسنا، حتى لو لم توصلنا إلى النتيجة التي توقعناها.
لم يكن عليّ أن أعتبر كل خطوة سابقة وعدًا يلزمني بإكمال الطريق.
كان يكفيني أن أسأل: هل ما ينتظرني في نهايته ما زال يستحق ما سأبذله من الآن؟
هذا السؤال أعادني إلى الحاضر.
اكتشفت أيضًا أن بعض الأمنيات تبقى حيّة بسبب كثرة حديثنا عنها.
نخبر الناس بما نريد، ونكرر خطتنا، ونربط صورتنا أمامهم بذلك الهدف. ثم يتغير شيء داخلنا، فنشعر أن الاعتراف به يحتاج إلى تبرير طويل.
ماذا سيقولون؟
ألم تكوني أنتِ التي تريدين هذا؟
بلى، كنت أريده.
هذه إجابة صحيحة، حتى لو أعقبتها جملة أخرى:
واليوم أريد شيئًا مختلفًا.
لا يمحو الحاضر صدق الماضي. ولا يجعل تغيّرنا كل ما قلناه سابقًا خطأ.
قد نحب عملًا في مرحلة، ثم نحتاج إلى عمل يمنحنا وقتًا أكثر. وقد نحلم بمكان بعيد، ثم نكتشف أن قربنا ممن نحب أهم لنا. وقد نتمنى مشروعًا كبيرًا، ثم نختار مشروعًا أصغر نستمتع بإدارته ونستطيع الاستمرار فيه.
لكل اختيار ظروفه، وما نعرفه عن أنفسنا حين نتخذه.
ومع ذلك، لم أرد أن أتسرع.
هناك فرق بين أمنية انتهت رغبتنا فيها، وأمنية أنهكنا الطريق إليها.
التعب قد يجعل كل شيء يبدو ثقيلًا، حتى الأشياء التي نحبها. وفي يوم مرهق، قد تبدو الراحة وحدها كأنها الإجابة عن جميع أسئلتنا.
لهذا تركت لنفسي وقتًا.
ابتعدت قليلًا عن المقارنات، وعن الحماس الذي يثيره كلام الآخرين، وعن شعوري بأن عليّ اتخاذ قرار فوري. ثم عدت إلى السؤال نفسه في أيام أكثر هدوءًا.
هل أشتاق إلى هذا الشيء حين لا يراني أحد؟
هل أرغب في تفاصيله اليومية، أم أحب صورته بعد النجاح فقط؟
ولو لم يعرف أحد أنني حققته، هل سيظل مهمًا لي؟
لم تكن الإجابات كلها مريحة، لكنها كانت أوضح.
بعض ما حسبته حلمًا شخصيًا كان مرتبطًا برغبتي في إثبات شيء. وحين خفّت حاجتي إلى إثباته، خفّ تعلقي به.
بدأت ألاحظ ما أريده الآن.
أشياء أقل ضجيجًا مما كنت أتخيل، لكنها أكثر حضورًا في يومي: وقت لا أستعجل فيه، وعمل أجد فيه متعة، وصباح لا يبدأ بقائمة تثقل صدري قبل أن أنهض.
لم تختفِ رغبتي في الإنجاز. أصبحت فقط أسأل عمّا سيضيفه الإنجاز إلى حياتي، وما سيأخذه منها.
هل سأحب يومي وأنا أسعى إليه؟
هل أستطيع تحمّل مسؤولياته بعد الوصول؟
وهل أريده بما يكفي لأقبل ثمنه؟
تلك الأسئلة لم تجعل اختياراتي سهلة دائمًا، لكنها جعلتها أقرب إليّ.
فقد يكون الشيء جيدًا، وتكون الفرصة مغرية، ومع ذلك لا تناسب حياتي الحالية.
والاعتراف بذلك يحتاج أحيانًا شجاعة تشبه شجاعة البدء.
حين سمحت لنفسي بترك الأمنية القديمة، لم أشعر بانتصار كبير.
شعرت براحة صغيرة.
كأن موعدًا ظللت أستعد له طويلًا أُلغي أخيرًا، فاكتشفت أنني أستطيع أن أرتب يومي كما أريد.
كان هناك حزن أيضًا؛ حزن على صورة تخيلتها لنفسي، وعلى احتمالات جميلة لن أعيشها. تقبّلت وجوده دون أن أعدّه دليلًا على خطأ قراري.
يمكننا أن نحزن على طريق لم نسلكه، ونطمئن في الوقت نفسه إلى اختيارنا.
لا نحصل في الحياة على جميع الاحتمالات. وكل اختيار يترك وراءه أبوابًا لن نفتحها.
لكنني لا أريد أن أقضي عمري أمام باب قديم، فقط لأنني وقفت عنده طويلًا.
أريد أن أنتبه إلى الرغبة التي تنمو في داخلي الآن، ولو جاءت متأخرة، ولو بدت أبسط مما توقعت.
لحظة يقين
لم أعد أريد ما كنت أتمناه.
أقولها اليوم دون أن أنتقص من حماسي القديم، أو أطالب نفسي بالاعتذار عنه.
كانت تلك الأمنية تشبهني في وقتها. ساعدتني على المحاولة، وعلّمتني، ومنحتني سببًا للحركة.
ثم تغيّرت.
وأنا أيضًا تغيّرت.
لا أعرف إن كانت رغباتي الجديدة ستبقى إلى الأبد، لكنني أعرف أنها أصدق تعبيرًا عني الآن.
وهذا يكفيني لأمنحها فرصة.
من حقي أن أختار من جديد، حتى لو كان اختياري هذه المرة مختلفًا عمّا انتظرته طويلًا.

تعليقات
إرسال تعليق