لحظة يقينSOUAD WRITES

كتابة تُصغي إلى الداخل

حين لم يحدث ما أردت

 

حين لم يحدث ما أردت

حين لم يحدث ما أردت


قرأت الخبر مرتين.

في المرة الأولى كنت أبحث عن النتيجة التي انتظرتها. وفي الثانية كنت أتأكد أنني لم أفهم شيئًا على نحو خاطئ.

لم يحدث ما أردت.

بقيت أنظر إلى الكلمات، كأن طول النظر قد يفتح فيها احتمالًا آخر. ثم وضعت الهاتف جانبًا، ونهضت لأفعل شيئًا لا أتذكره الآن.

أذكر فقط أنني تحركت في البيت دون رغبة واضحة، وأن التفاصيل الصغيرة بدت أثقل من المعتاد.

كنت قد رتبت في خيالي أيامًا تلي هذا الخبر. عرفت من سأخبر، وما الذي سأبدأ به، وكيف سأشعر حين ينتهي الانتظار.

وفجأة، لم أعد أعرف أين أضع كل تلك الأيام التي تخيلتها.


أصعب ما في الخيبة أحيانًا هو ما لا يراه أحد.

يرى الآخرون نتيجة لم تتحقق، أما نحن فنعرف الحياة الصغيرة التي بنيناها حولها. نعرف الأحاديث التي أجريناها في داخلنا، والاحتمالات التي أحببناها، والتفاصيل التي سبقنا إليها بخيالنا.

كنت أقول لنفسي إنني مستعدة لكل النتائج.

وربما كنت أظن ذلك بصدق.

لكن جزءًا مني كان يتصرف كما لو أن النتيجة التي أرجوها أصبحت قريبة بما يكفي للاطمئنان. تركت لها مكانًا في يومي، ثم اكتشفت أن المكان سيبقى فارغًا.

لم أكن حزينة على خبر وحده.

كنت أحاول أيضًا أن أودّع صورة لمستقبل تعلقت به قبل أن يبدأ.


سمعت كلمات طيبة ممن حولي.

قال بعضهم إن القادم أجمل، وإنني سأفهم لاحقًا لماذا لم يحدث هذا الأمر. كنت أعرف أنهم يريدون تخفيف حزني، وأقدّر رغبتهم في ذلك.

لكنني لم أكن قادرة على رؤية ما يرونه.

لم أعرف إن كان القادم سيعوضني بالطريقة التي أتخيلها، ولا إن كانت هذه الخيبة ستكشف يومًا عن فائدة واضحة.

كنت أعرف شيئًا واحدًا: أنني أردت أمرًا، وسعيت إليه، ولم أصل.

احتجت أن أعترف بهذه الحقيقة دون استعجال تفسيرها.

فتركت لنفسي وقتًا أحزن فيه، وأتحدث حين أرغب، وأسكت حين لا أجد ما أقوله.

لم يكن عندي درس جاهز أستخرجه من التجربة، ولا عبارة جميلة أضعها في نهايتها.


ثم بدأت الأسئلة.

هل قصّرت؟ هل استعجلت؟ هل وثقت باحتمال ضعيف؟ ولو تصرفت بطريقة مختلفة، هل كانت النتيجة ستتغير؟

راجعت التفاصيل حتى صارت مألوفة أكثر مما ينبغي.

كنت أعود إلى نقطة صغيرة، وأمنحها قدرة على تغيير الحكاية كلها. لو قلت تلك الجملة، لو انتظرت يومًا، لو سألت شخصًا آخر.

بعض المراجعة أفادني فعلًا. رأيت أمورًا كان يمكن أن أستعد لها أفضل، ومعلومات كان ينبغي أن أتحقق منها.

لكنني لاحظت أن التفكير تجاوز التعلم، وأصبح محاولة مرهقة لإعادة كتابة ما انتهى.

كنت أبحث عن خطأ واحد واضح، لعل معرفته تمنحني شعورًا بالسيطرة.

والحقيقة أنني لم أكن أملك جميع الظروف، حتى حين بذلت ما أستطيع.


احتجت إلى التفريق بين مسؤوليتي وحدود قدرتي.

إن كنت قد أخطأت، فمن حقي أن أعرف موضع الخطأ وأصلحه. وإن كان هناك ما أتعلمه، فلا أريد أن تضيع فائدته وسط مواساة تمنعني من النظر بصدق.

لكن النتيجة وحدها لا تروي كل شيء عن المحاولة.

قد يستعد الإنسان جيدًا ثم لا يُختار. وقد يعمل بإخلاص، ويواجه ظرفًا لم يتوقعه. وقد تكون فرصته محدودة أصلًا، مهما كان مقدار رغبته.

حاولت أن أراجع ما فعلته كما لو أنني أراجع تجربة شخص أحبه.

بوضوح، ودون قسوة.

ما الذي كان تحت سيطرتي؟ وما الذي عرفته بعد انتهاء الأمر ولم أكن أعرفه قبله؟

بهذه الأسئلة، أصبحت المراجعة أهدأ وأكثر فائدة.


ما آذاني بعد ذلك كان المقارنة.

رأيت من تحقق له ما أردت، فشعرت بوخزة حاولت إخفاءها حتى عن نفسي.

كنت أفرح له، وأتألم لنفسي في الوقت نفسه.

استصعبت اجتماع الشعورين، وكأن حزني ينتقص من محبتي، أو كأن فرحي به ينبغي أن يمحو خيبتي فورًا.

ثم سمحت لنفسي أن تكون مشاعري معقدة قليلًا.

يمكنني أن أتمنى الخير لغيري، وأن أحتاج إلى وقت كي أستوعب ما لم يحدث لي.

خففت متابعة ما يزيد المقارنة، دون أن أحوّل الآخرين إلى سبب لألمي. كانت لهم ظروفهم وتجربتهم، وكانت لي حكاية لا أعرف نهايتها بعد.

لم أحتج إلى مراقبة وصولهم حتى أفهم تعثري.


بعد أيام، وجدتني أريد اتخاذ قرار كبير.

أن أترك الفكرة كلها، أو أبدأ شيئًا مختلفًا فورًا، أو أثبت لنفسي أنني قادرة على النجاح في مكان آخر.

كان في داخلي استعجال لتعويض الشعور.

توقفت قليلًا.

لم أشأ أن يتحول الألم إلى مدير لقراراتي، فيدفعني إلى انسحاب لا أريده، أو إلى التزام جديد لم أفكر فيه.

منحت نفسي مهلة أستعيد فيها نومي وتركيزي، ثم عدت إلى السؤال الأساسي:

هل ما زلت أريد هذا الأمر بعد أن عرفت صعوبته؟

كانت الإجابة أهم من حماسي الأول.

فقد أختار المحاولة مجددًا بخطة أوضح، وقد أكتشف أن الثمن أكبر مما أستطيع تحمله الآن.

وفي الحالتين، أحتاج أن أختار وأنا أرى، لا وأنا أحاول الهرب من الخيبة.


لم تعد الحياة دفعة واحدة.

عادت في تفاصيل بسيطة لم أكن أعدّها إنجازًا.

وجبة أعددتها باهتمام، ومكالمة لم أتحدث خلالها عن النتيجة، ومهمة أنهيتها بعد أيام من التأجيل. ثم جاء مساء ضحكت فيه، وانتبهت بعد الضحكة أنني لم أفكر في الأمر منذ ساعات.

شعرت براحة، أعقبها استغراب.

كيف استطعت أن أنسى قليلًا شيئًا كان يملأ رأسي؟

لم يكن النسيان خيانة لما أردت، ولا دليلًا على أن رغبتي كانت عابرة. كانت قدرتي على الانشغال بالحياة تعود بالتدريج.

تركت لتلك اللحظات أن تتسع.

لم أعد أستدعي حزني كلما ابتعد، كي أتأكد أن التجربة ما زالت مهمة.

كانت مهمة بالفعل، ويمكنني رغم ذلك أن أعيش يومًا جيدًا.


مع مرور الوقت، تغيّر سؤالي.

كنت أسأل: لماذا لم يحدث ما أردت؟

ثم بدأت أسأل: ماذا أستطيع أن أفعل بما أعرفه الآن؟

السؤال الأول بقي بلا إجابة كاملة. أما الثاني، ففتح أمامي خطوات أقدر عليها.

أستطيع أن أطلب ملاحظة تفيدني، أو أتعلم مهارة ناقصة، أو أراجع توقيت المحاولة. وأستطيع أيضًا أن أترك الأمر مدة، وأمنح جهدي لما يحتاجني اليوم.

لم تتحول الخيبة إلى هدية، ولم أصبح ممتنة لكل ما آذاني.

لكنني لم أعد أحتاج إلى وصف التجربة بالجمال كي أستفيد منها.

أخذت ما استطعت تعلمه، واعترفت بما بقي موجعًا، ثم حاولت أن أتحرك من الموضع الذي وصلت إليه فعلًا.

لحظة يقين

لم يحدث ما أردت.

وما زلت أظن أنني كنت سأفرح لو حدث.

لكن حياتي لم تنتهِ عند تلك النتيجة، حتى حين بدا لي في البداية أنها ضاقت حولها.

لا أعرف كل ما ينتظرني، ولا أحتاج الآن إلى وعد بأن القادم سيكون كما أشتهي.

يكفيني أنني أستطيع أن أستريح، وأتعلم، وأعيد الاختيار.

حين لم يحدث ما أردت، احتجت وقتًا لأرى أنني ما زلت أملك ما أفعله بعده.

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة