لحظة يقينSOUAD WRITES

كتابة تُصغي إلى الداخل

لم يتغيّر المكان… أنا التي تغيّرت

 

لم يتغيّر المكان… أنا التي تغيّرت

لم يتغيّر المكان… أنا التي تغيّرت


عدت إلى مكان كنت أحبه، وأنا أتوقع أن أشعر بشيء أعرفه.

لم أكن أبحث عن مفاجأة. كنت أريد تلك الألفة التي تجعلنا نسترخي قبل أن نجلس، كأن المكان يتذكرنا، ويحتفظ لنا بشيء تركناه فيه منذ الزيارة الأخيرة.

دخلت، ونظرت حولي.

الطاولات في مواضعها تقريبًا، والضوء يدخل من النافذة نفسها، وحتى الرائحة بدت مألوفة. اخترت زاوية قريبة من تلك التي اعتدت الجلوس فيها، وطلبت شيئًا كنت أحبه.

انتظرت قليلًا.

وصل طلبي، وبدأت الأصوات من حولي تتداخل: حديث عند الطاولة المجاورة، وضحكة من بعيد، وحركة الأكواب.

كان كل شيء عاديًا.

لكن الشعور الذي جئت أبحث عنه لم يصل.


حاولت أن أجد سببًا في المكان.

ربما أصبحت الخدمة أبطأ. ربما كانت زيارتي في وقت غير مناسب. وربما بالغت الذاكرة في تجميل التفاصيل، كما تفعل حين تترك لنا من السنوات مشاهد قليلة، وتحذف ما كان بينها من تعب.

نظرت إلى الوجوه حولي، ثم إلى النافذة.

لم أكن منزعجة. كنت فقط أقل حماسًا مما توقعت، وأقل رغبة في البقاء.

استغربت ذلك؛ فقد كان هذا المكان يومًا قادرًا على تغيير مزاجي. كنت أقترحه دون تردد، وأجد في زيارته مكافأة صغيرة بعد أسبوع طويل.

أما الآن، فقد كنت أفكر في العودة إلى البيت.

عندها خطر لي سؤال لم أبدأ به:

هل تغيّر المكان فعلًا، أم أنني جئت إليه وأنا شخص مختلف؟


نعود أحيانًا إلى الأماكن وفي داخلنا طلب لا نعلنه.

نريد منها أن تعيد إلينا شعورًا قديمًا.

نجلس في المقهى نفسه، أو نسير في شارع عرفناه، أو نزور بيتًا ارتبط بمرحلة جميلة، وننتظر أن تتحرك فينا الحياة كما كانت تتحرك آنذاك.

لكننا لا نعود وحدنا.

نأتي ومعنا ما عشناه منذ آخر مرة: مسؤوليات جديدة، وخيبات تجاوزنا بعضها، وأسئلة لم تكن تشغلنا، ومعرفة أوسع بما نحب وما يحتمله يومنا.

وقد نأتي أكثر تعبًا، أو أكثر هدوءًا، أو أقل استعدادًا لمجاملة ما لا يناسبنا.

المكان يستقبلنا بتفاصيله، أما نحن فنراه من داخل تجربة لم تكن معنا من قبل.

ولهذا قد نعرفه جيدًا، ثم نشعر فيه بشيء من الغربة.


تذكرت الأشخاص الذين كانوا يرافقونني إلى ذلك المكان.

بعض ما أحببته فيه كان حديثهم، وطريقتنا في إضاعة الوقت دون شعور بالذنب، والأخبار التي كنا نتبادلها كأنها أهم ما يجري في العالم.

كانت الطاولة تجمع نسخة منا لم تعد موجودة بالطريقة نفسها.

تبدلت مواعيدنا، واتسعت مسؤولياتنا، وأصبح اللقاء يحتاج إلى ترتيب بعد أن كان يحدث بسهولة. وحتى حين نجتمع، نحمل موضوعات أخرى، وننظر إلى الساعة أكثر مما كنا نفعل.

لم يقلّل ذلك من قيمة ما عشناه.

لكنه جعلني أفهم أن للمكان شركاء في الذاكرة. ننسب إليه الدفء كله، بينما كان بعضه يأتي من صحبة، وبعضه من فراغ جميل، وبعضه من عمر لم نكن نعرف أننا سنشتاق إليه.


وحين انتبهت إلى ذلك، شعرت بحزن خفيف.

لم يكن حزنًا على الطاولات أو النافذة. كان أقرب إلى إدراك أنني لا أستطيع استعادة نفسي القديمة بمجرد العودة إلى عنوان أعرفه.

تلك التي كانت تجلس هنا كانت تريد أشياء مختلفة.

كانت بعض الأمور تدهشها أكثر، وكانت تمنح أمورًا أخرى اهتمامًا لم أعد أمنحها إياه. وربما كانت تقلق مما أراه اليوم بسيطًا، وتستهين بما تعلمت لاحقًا أنه يستحق الحذر.

أحببتها وأنا أتذكرها.

لم أشأ أن أصفها بالسذاجة كي أبدو أكثر حكمة الآن. كانت تعيش بما تعرف، وتحاول بما تملك، وتفرح بأشياء كانت صادقة في وقتها.

لكن محبتي لها لا تعني أن عليّ مواصلة اختياراتها كلها.


كنت أظن أن ثبات الذوق علامة على معرفة النفس.

إذا أحببت مكانًا، توقعت أن أظل أحبه. وإذا اعتدت طريقة لقضاء وقتي، شعرت بشيء من الحيرة حين لم تعد تسعدني.

كأنني أحتاج إلى سبب كبير حتى أغيّر رأيي.

لكن بعض التغيرات تحدث ببطء، دون واقعة فاصلة.

نكتشف أننا نفضّل حديثًا أقل وصحبة أهدأ. أو أننا لم نعد نستمتع بالزحام كما كنا. وقد يحدث العكس؛ نخرج من مرحلة انكفاء، فنرغب في التجربة والحركة والتعرف إلى أماكن جديدة.

هذه التحولات لا تحمل حكمًا على اختيارات الآخرين، ولا تجعل ذوقنا الحالي أفضل من السابق.

هي تخبرنا فقط بشيء عن حياتنا الآن، وتدعونا إلى الإنصات بدل المقاومة.


ومع ذلك، لم أرد أن أفسّر كل فتور بأنني تغيّرت.

قد نزور مكانًا نحبه في يوم مرهق، فلا نجد فيه متعتنا المعتادة. وقد يثقلنا انشغال عابر، فنحمله معنا إلى كل مكان، ثم نظن أن الأشياء فقدت قدرتها على إسعادنا.

لذلك تركت لنفسي فرصة أخرى.

عدت في وقت مختلف، وجلست دون توقعات كبيرة. حاولت أن أرى ما أمامي كما هو، لا كما أحتاج إليه أن يكون.

وجدت أشياء ما زلت أحبها: الضوء قرب النافذة، وهدوء الدقائق الأولى، وتفصيلًا صغيرًا لم أنتبه إليه من قبل.

لكنني تأكدت أيضًا أنني لا أريد الزيارة بالطريقة القديمة نفسها.

أصبحت أفضّل البقاء قليلًا، ثم المغادرة وأنا مرتاحة.

وكان هذا كافيًا، دون حاجة إلى إعلان نهاية علاقتي بالمكان.


أدركت أنني كنت أضع نفسي أحيانًا أمام اختيارين ضيقين: أن يبقى الشيء محبوبًا كما كان، أو أن أفقد علاقتي به تمامًا.

بينهما احتمالات أرحب.

يمكن أن أحب مكانًا وأقلّل زيارته. وأن أعتز بمرحلة دون أن أحنّ إلى تفاصيلها كلها. وأن أعود إلى شيء قديم، فأمنحه موقعًا جديدًا في حياتي.

الذكريات لا تطلب منا تكرارها حتى نحافظ عليها.

قد يكفيني المرور من شارع، أو ابتسامة حين أسمع اسمًا، أو حكاية أرويها لمن لم يعرف تلك الأيام.

ليس ضروريًا أن أعيش التجربة مرة أخرى كي أثبت أنها كانت جميلة.

بعض الجمال يبقى واضحًا حتى حين نعرف أن حياتنا تمضي في اتجاه آخر.


في طريق العودة، لاحظت أنني لم أعد منشغلة بتقييم الزيارة.

لم تكن فاشلة لأنني لم أشعر بما توقعته. لقد عرّفتني بشيء عن نفسي كنت سأظل أغفله لو أصررت على استعادة إحساس قديم.

سألت نفسي عمّا أحب أن أفعله الآن، في هذا اليوم تحديدًا.

لم أحتج إلى إجابة كبيرة.

أردت العودة، وتبديل ملابسي، والجلوس في هدوء. وفي يوم آخر، ربما أرغب في مكان جديد لا أعرف عنه شيئًا.

شعرت براحة حين سمحت لرغبتي الحالية أن تكون بسيطة، وألا تبرر اختلافها عن الماضي.

هناك متعة في اكتشاف ما يناسبنا، حتى لو بدأ الاكتشاف من خيبة توقع صغيرة، أمام نافذة اعتدنا أن نحبها.

لحظة يقين

لم يتغيّر المكان كثيرًا.

لكنني عدت إليه بحياة أوسع، واحتياجات مختلفة، وقلب تعلّم أشياء لم يكن يعرفها.

ما زالت لي فيه ذكرى جميلة، وما زلت أستطيع زيارته. فقط لم أعد أطلب منه أن يعيدني إلى ما كنت عليه.

أحيانًا نعود إلى مكان قديم، فنكتشف أن الرحلة الأبعد حدثت داخلنا.

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة