حين تبدو الحياة فوضى… تذكّر أن تدبير الله لا يخطئ
تمرّ بنا أوقات نشعر فيها أن كل شيء يسير بعكس ما أردنا. نخطط لأمر فلا يتم، ننتظر بابًا فلا يُفتح، نتمسك بشيء ثم نفقده، أو نجد أنفسنا أمام طريق لم نختره أصلًا. وفي خضم هذه الأحداث، يبدأ السؤال الذي يعرفه كل قلب متعب: لماذا يحدث هذا الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟
نحاول أن نفهم، فنزداد حيرة. ونحاول أن نرتب الأحداث في أذهاننا، فلا نجد بينها رابطًا واضحًا. وربما نظن للحظة أن حياتنا خرجت عن المسار الذي كان ينبغي أن تكون عليه.
لكن ماذا لو كانت الفوضى التي نراها موجودة في حدود رؤيتنا فقط؟
نحن نرى اللحظة… والله يعلم القصة كاملة
الإنسان بطبيعته يحكم على الأحداث من موقعه الحالي. يرى ما حدث اليوم، وما خسره بالأمس، وما يتمناه للغد. أما ما لا يستطيع رؤيته فهو سلسلة النتائج التي قد تترتب على كل حدث.
قد نحزن على فرصة ضاعت، دون أن نعرف ما كان ينتظرنا خلفها. وقد نتألم من تأخر أمر تمنيناه، ثم نكتشف بعد مدة أن توقيته السابق لم يكن مناسبًا لنا. وقد نتمسك بعلاقة أو مكان أو خطة، بينما يكون الخير في طريق آخر لم يخطر لنا على بال.
ولهذا يقول الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
هذه الآية لا تعدنا بأن كل ما يحدث سيكون سهلًا، لكنها تضع أمامنا حقيقة تمنح القلب قدرًا كبيرًا من الطمأنينة: معرفتنا محدودة، وعلم الله كامل.
ليس كل تأخير حرمانًا
نحن نعيش في زمن يجعل الانتظار أمرًا ثقيلًا. نريد النتائج سريعًا، ونقارن توقيت حياتنا بتوقيت الآخرين: فلان وصل، وفلانة نجحت، وآخر حقق ما نتمناه ونحن ما زلنا ننتظر.
لكن الحياة ليست سباقًا يسير فيه الجميع على خط واحد.
قد يتأخر أمر لأن وقته لم يحن بعد. وقد يتغير الطريق لأن الطريق الأول لم يكن الأنسب. وقد يُغلق باب لأن الاستمرار خلفه كان سيأخذ منا أكثر مما سيعطينا.
ولا نستطيع أن نجزم بالحكمة المحددة وراء كل حدث؛ فهذه من علم الله. لكن المؤمن يستطيع أن يطمئن إلى أن التأخر لا يعني بالضرورة الحرمان، وأن عدم تحقق ما أراده بالطريقة التي تخيلها لا يعني أن الخير انتهى.
أحيانًا تكون الرحمة في العطاء، وأحيانًا تكون في المنع، وأحيانًا تكون في الانتظار نفسه.
عندما تعجز عن فهم ما يحدث
ليست المشكلة دائمًا في الحدث، بل أحيانًا في محاولتنا المستمرة لإيجاد تفسير فوري له.
نريد أن نفهم الآن: لماذا حدث؟ ماذا سيأتي بعده؟ هل أتمسك أم أترك؟ هل أستمر أم أتوقف؟
لكن بعض الإجابات لا تظهر إلا بعد أن نعبر المرحلة.
كم من موقف قديم أقلقنا يومًا، ثم ننظر إليه بعد سنوات ونقول: الآن فهمت.
وربما توجد أحداث لن نعرف حكمتها كاملة أبدًا. وهنا يأتي معنى التوكل الحقيقي؛ ألا يكون اطمئنانك مشروطًا بأن تفهم كل شيء، بل أن تثق بالله حتى عندما لا تفهم.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
التوكل لا يعني أن نتوقف عن التفكير أو العمل أو اتخاذ القرارات. بل نفعل ما نستطيع، ندرس خياراتنا، نسعى، نستخير، ثم نسلّم لله ما لا نستطيع التحكم فيه.
ربما الطريق المختلف هو الطريق الصحيح
أحيانًا نرسم في أذهاننا صورة دقيقة لما يجب أن تكون عليه حياتنا: هذا الأمر يجب أن يحدث في هذا العمر، وهذا النجاح يجب أن يأتي بهذه الطريقة، وهذه الخطة ينبغي ألا تتغير.
ثم تأتي الحياة بطريقة مختلفة تمامًا.
فنقاوم الاختلاف قبل أن نعرف إلى أين سيقودنا.
لكن كم من بداية جميلة خرجت من نهاية لم نكن نريدها؟ وكم من طريق جديد بدأ بعد أن أُغلق الطريق الذي أصررنا عليه طويلًا؟
ليس المطلوب أن نصف كل خسارة بأنها جميلة، ولا أن نتظاهر بأن الألم لا يؤلم. بعض الأحداث موجعة فعلًا، وبعض الخسارات تحتاج وقتًا حتى يتقبلها القلب.
الإيمان لا يلغي المشاعر الإنسانية، لكنه يمنع اليأس من أن يكون الكلمة الأخيرة.
اترك مساحة لتدبير الله
افعل ما عليك، لكن لا تحمل نفسك مسؤولية التحكم في كل شيء.
هناك فرق بين السعي وبين محاولة السيطرة على الحياة.
اسعَ لما تريد، خطط، تعلم، حاول مرة أخرى، وغير اتجاهك عندما تحتاج. لكن عندما تصل إلى الجزء الذي لا تملكه، لا تستنزف قلبك في مقاومته.
قل: يا رب، فعلت ما أستطيع، وأنت أعلم بما لا أعلم.
قد لا تعرف اليوم لماذا تغيّر الطريق، أو لماذا تأخر ما دعوت به، أو لماذا لم تكتمل خطة كنت تراها مثالية.
لكن عدم فهمك للحكمة لا يعني غيابها.
وفي اللحظات التي يبدو فيها كل شيء مرتبكًا، تذكّر أن رؤيتنا قصيرة، بينما علم الله محيط بما كان وما سيكون.
لذلك، حين تضيق بك الأسئلة ولا تجد لها جوابًا، تمسّك بهذه الحقيقة البسيطة:
ليس مطلوبًا منك أن تفهم كل تفاصيل الطريق حتى تطمئن… يكفي أن تعرف مَن يدبّر الطريق.
وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى أشياء بكيت عليها طويلًا، وإلى أبواب تمنيت لو أنها فُتحت، وإلى طرق حزنت لأنها تغيّرت، ثم تقول بقلب ممتن:
الحمد لله أن الله دبّرها كما يعلم، لا كما كنت أظن.