الإجازة التي لا تُشبه الهروب

 

الإجازة التي لا تُشبه الهروب



هناك من يسافر لأنه يحب اكتشاف العالم.

وهناك من يسافر ليجمع الذكريات، أو يقضي وقتًا مع عائلته، أو يستريح بعد أشهر طويلة من العمل.

وهناك أيضًا من يسافر لسبب لا يقوله بصوت مرتفع.

لا يبحث عن مدينة جديدة، بل عن شعور جديد.

يريد أن يستيقظ في مكان لا يعرفه أحد، وأن يمشي في شارع لا يحمل أي ذكرى، وأن يقضي أيامًا لا يسأله فيها أحد عن العمل، أو الالتزامات، أو المسؤوليات التي تنتظره في البيت.

ليس لأنه يكره حياته بالضرورة.

بل لأنه تعب منها.

في كل مرة كنت أستعد فيها لرحلة، كنت أظن أن أكثر ما يسعدني هو الوجهة.

لكنني لاحظت مع الوقت أن سعادتي كانت تبدأ قبل الوصول بكثير.

كانت تبدأ منذ اللحظة التي أغلق فيها باب المنزل، وأتجه إلى المطار.

كنت أشعر بخفة لا أعرف مصدرها.

وكأنني أترك خلفي قائمة طويلة من المهام، ورسائل لم أرد عليها، وأفكارًا أرهقتني لأشهر.

في المطار، يصبح الوقت مختلفًا.

لا أحد يعرف من تكون.

لا أحد ينتظر منك شيئًا.

ولا أحد يسألك لماذا تأخرت أو ماذا ستفعل غدًا.

حتى صوت النداء على الرحلات يحمل شيئًا من الحرية.

وعندما تقلع الطائرة، تشعر للحظات وكأن حياتك القديمة أصبحت أصغر تحت الغيوم.

وعند الوصول، يبدأ كل شيء من جديد.

المدينة لا تعرفك.

المقهى لا يحمل ذكرياتك.

الشوارع لا تذكرك بأحد.

تجلس في مطعم صغير، وتشرب قهوتك ببطء، وتراقب الناس وهم يعيشون حياتهم، دون أن يكون لك دور في يومهم.

تمشي ساعات طويلة دون هدف.

تلتقط صورًا لغروب الشمس.

تضحك أكثر.

وتنام بسهولة.

في تلك الأيام، يبدو العالم أخف.

ويبدو أنك أنت أيضًا أخف.

لكن هناك لحظة لا يتحدث عنها كثيرون.

ليلة العودة.

عندما تبدأ بترتيب حقيبتك مرة أخرى.

وتنظر إلى التذكرة التي ستعيدك إلى المنزل.

فجأة يعود ذلك الشعور الذي كنت قد نسيته.

ليس لأن الرحلة كانت سيئة.

بل لأنك تعرف أن الواقع ينتظرك كما تركته.

الرسائل ما زالت هناك.

الالتزامات لم تختفِ.

والقرارات المؤجلة ما زالت تنتظر منك أن تواجهها.

وعندما تفتح باب المنزل بعد السفر، تشعر أحيانًا وكأن الإجازة كانت حلمًا جميلًا انتهى بسرعة.

كنت أعتقد أن هذا الشعور طبيعي، وأن الجميع يمر به.

لكنني بدأت أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا.

لماذا أكون في أفضل حالاتي بعيدًا عن حياتي؟

هل المشكلة في المدينة التي أعيش فيها؟

أم في الطريقة التي أعيش بها؟

ذلك السؤال غيّر نظرتي إلى السفر.

اكتشفت أن السفر يمنحنا شيئًا نفتقده في حياتنا اليومية.

الهدوء.

الوقت.

المساحة.

غياب العجلة.

في السفر، لا أشعر أنني مطالبة بأن أنجز عشر مهام قبل نهاية اليوم.

لا أراقب الساعة باستمرار.

ولا أعيش بين إشعار وآخر.

أصبح لدي وقت لألاحظ أشياء كنت أمر بجانبها دون انتباه.

رائحة المخبز في الصباح.

صوت البحر.

غروب الشمس.

حديث طويل مع شخص أحبه دون أن يقاطعنا موعد آخر.

لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه الأشياء ليست موجودة في السفر فقط.

هي موجودة أيضًا في الحياة العادية.

الفرق أننا لا نمنح أنفسنا فرصة لرؤيتها.

وهنا يبدأ السؤال الأصعب.

هل أنا أحتاج إلى السفر...

أم أحتاج إلى حياة لا أهرب منها كلما سنحت الفرصة؟

ليس كل من يسافر يهرب من واقعه.

وهذا من المهم أن نعترف به.

السفر من أجمل التجارب التي يمكن أن يعيشها الإنسان.

هو يوسع الأفق، ويعرّفنا على ثقافات مختلفة، ويكسر الروتين، ويخلق ذكريات تبقى معنا سنوات.

لكن أحيانًا يتحول، دون أن نشعر، إلى مسكن مؤقت.

كلما ضاقت الحياة، بدأنا نبحث عن رحلة جديدة.

وما إن نعود، حتى يبدأ العد التنازلي للإجازة التالية.

ليس لأننا نعشق السفر فقط.

بل لأننا لا نستطيع احتمال الحياة التي نعود إليها.

وهنا لا تكون المشكلة في انتهاء الإجازة.

بل في الحياة التي تجعلنا نحتاج إلى الهروب منها باستمرار.

لاحظت هذا مرة عندما كنت أجلس في أحد المقاهي المطلة على البحر.

كان المكان هادئًا بطريقة يصعب وصفها.

الهواء لطيف.

والناس يبتسمون.

وكل شيء يبدو مثاليًا.

سألت نفسي يومها:

ماذا لو أخذت هذا الهدوء معي إلى البيت؟

هل سأستطيع؟

في البداية ظننت أن الإجابة لا.

لكنني اكتشفت لاحقًا أن جزءًا كبيرًا من هذا الشعور لم يكن مرتبطًا بالمكان.

كان مرتبطًا بي أنا.

في السفر، كنت أسمح لنفسي بأشياء أمنعها عنها في الأيام العادية.

أن أستيقظ دون استعجال.

أن أقرأ ساعة كاملة.

أن أمشي بلا هدف.

أن أغلق الهاتف.

أن أجلس مع فنجان قهوة دون أن أشعر بالذنب لأنني لا أنجز شيئًا.

لماذا كانت هذه الأشياء مسموحة في مدينة بعيدة...

وممنوعة في مدينتي؟

لا أعرف متى أقنعنا أنفسنا أن الراحة يجب أن تنتظر الإجازة.

وأن القراءة تنتظر السفر.

وأن الجلوس مع من نحب يحتاج إلى تذكرة طيران.

ربما لهذا السبب يعود بعض الناس من أجمل الرحلات وهم يشعرون بالفراغ.

لأن المكان تغيّر.

لكن الحياة التي تنتظرهم بقيت كما هي.

أما أجمل الرحلات التي عشتها، فلم تكن تلك التي نسيت فيها حياتي.

بل التي عدت بعدها وأنا أرغب في تحسينها.

رحلة جعلتني أقرر أن أبطئ قليلًا.

أن أخصص وقتًا للقراءة.

أن أقول "لا" لبعض الالتزامات التي كانت تستنزفني.

أن أترك مساحة في يومي تشبه تلك الساعات الهادئة التي كنت أحبها في السفر.

عندها فقط فهمت الفرق.

الإجازة ليست بابًا نهرب منه.

بل نافذة نطل منها على حياتنا من زاوية مختلفة.

إذا عدنا منها ونحن نكره حياتنا أكثر، فربما كنا نهرب.

أما إذا عدنا ونحن نحمل فكرة، أو عادة جميلة، أو رغبة في أن تصبح أيامنا ألطف، فقد أدت الإجازة رسالتها الحقيقية.

العالم واسع، والسفر نعمة لا يختلف عليها اثنان.

لكن أجمل شعور ليس أن تجد مكانًا تهرب إليه كلما تعبت.

أجمل شعور أن تبني حياة، حتى وإن كانت مليئة بالمسؤوليات، لا تتمنى الهروب منها كلما سنحت لك الفرصة.

عندها يصبح السفر متعة...

لا وسيلة للنجاة.

وتصبح العودة إلى البيت نهاية رحلة جميلة...

لا بداية عدٍّ تنازلي لرحلة تهرب فيها من جديد.

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة