لم أعد كما كنت... ولا أريد أن أعود

 

لم أعد كما كنت... ولا أريد أن أعود


بعض الانكسارات لا تعيدك إلى ما كنت... بل تصنع منك شخصًا لم تكن تتوقع أن تصبحه.

لفترة طويلة كنت أظن أن التعافي يعني العودة.

أن تمر العاصفة، ثم أستيقظ يومًا فأجد نفسي كما كنت قبلها. بنفس الحماس، وبنفس الثقة، وبنفس الطريقة التي أنظر بها إلى الناس وإلى الحياة.

كنت أردد في داخلي دون أن أشعر: "سيمضي هذا كله، وسأعود كما كنت."

لكن السنوات علمتني شيئًا لم أكن مستعدة لسماعه.

بعض الأشياء لا تنتهي بالعودة.

وبعض التجارب لا تترك أثرًا مؤقتًا، بل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.

اليوم، عندما أنظر إلى نفسي قبل سنوات، أشعر وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه جيدًا، لكنه لم يعد يعيش هنا.

أتذكر طريقتي في التفكير، وكيف كنت أتعامل مع الناس، وما الذي كان يفرحني، وما الذي كان يكسرني.

لم تكن تلك النسخة سيئة.

كانت فقط... أكثر براءة.

كنت أصدق بسرعة.

وأثق بسهولة.

وأمنح وقتي وطاقتي دون أن أسأل نفسي إن كان الطرف الآخر يفعل الشيء نفسه.

كنت أعتقد أن النية الطيبة تكفي، وأن الحب وحده يحل الخلافات، وأن الاجتهاد دائمًا يُقدَّر، وأن كل علاقة إذا بذلت لها ما يكفي من الجهد ستنجو.

كانت الحياة تبدو أبسط مما هي عليه.

ثم جاءت التجارب.

ليست تجربة واحدة، ولا خيبة واحدة.

بل مجموعة من المواقف الصغيرة التي لا تبدو كبيرة عندما تحدث، لكنها مع الوقت تترك أثرًا عميقًا.

خيبة من شخص وثقت به.

قرار تأخرت في اتخاذه حتى دفعت ثمن تأخري.

تعب أخفيته طويلًا حتى ظن الجميع أنني لا أتعب.

عطاء استمر سنوات، ثم اكتشفت أنني كنت الطرف الوحيد الذي يحمل العلاقة.

كل تجربة كانت تترك داخلي سؤالًا جديدًا.

وفي كل مرة كنت أعتقد أنني سأتعافى وأعود كما كنت.

لكنني لم أعد.

ومع مرور الوقت، توقفت عن انتظار تلك العودة.

أدركت أنني لا أريدها أصلًا.

لأن الإنسان الذي كنت عليه لم يكن يعرف أشياء أعرفها اليوم.

كان يعتذر كثيرًا.

أما اليوم، فلم أعد أعتذر عن كل شيء.

أصبحت أميز بين الخطأ الذي يستحق الاعتذار، وبين الاختلاف الذي لا يحتاج إلى تبرير.

في السابق، كنت أشعر بالذنب إذا قلت "لا".

أخاف أن يسيء أحد فهمي، أو يظن أنني تغيرت.

أما اليوم، فأعرف أن رفضي لشيء لا يعني أنني أقل احترامًا أو محبة.

بل يعني أنني تعلمت أن أحترم حدودي أيضًا.

كنت أظن أن الطيبة تعني أن أتحمل أكثر.

أن أسكت أكثر.

أن أغفر أكثر.

أن أقدم الآخرين على نفسي في كل مرة.

لكنني اكتشفت أن الطيبة التي تستنزف صاحبها ليست فضيلة، بل غياب للحدود.

تعلمت أن أكون لطيفة، دون أن أكون مستنزفة.

وأن أساعد، دون أن أحمل ما لا أستطيع حمله.

وأن أحب الناس، دون أن أنسى نفسي بينهم.

ومن أكثر الأشياء التي تغيرت داخلي، نظرتي إلى العلاقات.

في الماضي كنت أخاف من انتهاء أي علاقة.

كنت أعتقد أن النهاية تعني الفشل.

لذلك كنت أبذل جهدًا أكبر كلما شعرت أن شخصًا يبتعد.

أبحث عن الأعذار، وأبدأ بالمبادرة، وأحاول إصلاح كل ما انكسر، حتى لو كنت الطرف الوحيد الذي يحاول.

اليوم، لم أعد أفعل ذلك.

ليس لأنني أصبحت أقل وفاءً.

بل لأنني فهمت أن العلاقة التي تحتاج إلى شخص واحد كي تبقى، كانت تنهار منذ وقت طويل.

العلاقات الصحية لا تقوم على التضحية المستمرة من طرف، والراحة المستمرة من طرف آخر.

تقوم على المشاركة.

وعندما تغيب المشاركة، يصبح الاستمرار مجرد عادة، لا علاقة.

وتغير شيء آخر لم أكن أتوقعه.

لم أعد أبحث عن إعجاب الجميع.

في الماضي، كانت كلمة واحدة كفيلة بأن تشغل تفكيري أيامًا.

كنت أراجع ما قلته، وأفكر فيما كان يجب أن أقوله، وأتساءل إن كنت قد أزعجت أحدًا.

أما اليوم، فلم يعد هذا يستنزفني.

ليس لأنني أصبحت لا أهتم بالناس.

بل لأنني أدركت أن رضا الجميع هدف لا يمكن الوصول إليه.

وأن الإنسان الذي يغير نفسه كل يوم ليرضي الآخرين، سيستيقظ يومًا ولا يعرف من يكون.

أحيانًا أسأل نفسي:

هل خسرت شيئًا عندما تغيرت؟

والإجابة دائمًا: نعم.

خسرت اندفاعًا جميلًا.

وخسرت شيئًا من البراءة.

وخسرت قدرتي على تصديق كل كلمة بسهولة.

لكنني كسبت أشياء لا تقل قيمة.

كسبت هدوءًا لم أعرفه من قبل.

وكسبت القدرة على التمييز بين من يريدني، ومن يريد ما أقدمه.

وكسبت الشجاعة لأنسحب من الأماكن التي تؤذيني، دون أن أشعر بأن عليّ البقاء لإثبات وفائي.

وأكثر ما كسبته هو علاقتي بنفسي.

في السابق، كنت أبحث عن الطمأنينة في الخارج.

في كلمات الناس.

في قبولهم.

في تقديرهم.

أما اليوم، فأصبحت أعرف أن أكثر علاقة تحتاج إلى الإصلاح هي علاقتي بنفسي.

لأن الإنسان إذا خسرها، فلن تعوضه كل العلاقات الأخرى.

أحيانًا أشتاق إلى تلك النسخة القديمة مني.

أشتاق إلى بساطتها.

إلى ثقتها السريعة.

إلى قدرتها على رؤية الخير في الجميع.

لكنني لا أشتاق إلى الألم الذي كانت تدفعه ثمنًا لذلك.

ولهذا، لا أريد أن أعود.

لا لأن الماضي سيئ.

بل لأنني لا أريد أن أخسر الوعي الذي منحته لي التجارب.

أصبحت أعرف أن ليس كل معركة تستحق أن أخوضها.

وليس كل شخص يستحق أن أشرح له نفسي.

وليس كل علاقة يجب أن تستمر.

وليس كل خسارة تعني أنني خسرت فعلًا.

بعض الخسائر كانت بداية لحياة أكثر هدوءًا.

وبعض الأبواب التي أغلقت في وجهي، منعتني من البقاء في أماكن لم تكن تشبهني.

وهذا لم أكن لأفهمه في ذلك الوقت.

لو عاد بي الزمن، ربما كنت سأحاول حماية تلك النسخة القديمة مني من بعض الألم.

لكنني أعلم أنني لن أستطيع.

لأن بعض الدروس لا تُنقل بالكلام.

بل تُولد من التجربة.

ولذلك، عندما يقول لي أحدهم: "لقد تغيرت."

أبتسم.

ليس لأنني أنكر ذلك.

بل لأنني أعرف كم كان الطريق طويلًا حتى أصل إلى هذا التغيير.

وكم مرة اضطررت أن أعيد بناء نفسي بعد أن ظننت أنني انتهيت.

وكم مرة اكتشفت أن النهاية التي كنت أخاف منها، كانت في الحقيقة بداية مختلفة تمامًا.

اليوم، لم أعد الشخص الذي كنت عليه.

ولا أشعر بالحزن بسبب ذلك.

فالنسخة القديمة مني قامت بما استطاعت في الوقت الذي كانت تعرف فيه ما تعرف.

أما النسخة التي أعيش بها الآن، فقد بنتها التجارب، والخيبات، والقرارات الصعبة، والأيام التي ظننت أنها لن تمر ثم مرت.

لهذا، لا أتمنى العودة إلى الوراء.

أتمنى فقط أن أحافظ على هذا الهدوء الذي جاء بعد كل تلك العواصف.

لأن بعض الانكسارات لا تسرق منا الحياة...

بل تعلّمنا كيف نعيشها بطريقة لم نكن نعرفها من قبل.

ولهذا، لم أعد كما كنت...

ولا أريد أن أعود.

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة