رسالة غراب… إلى الإنسانة التي تُعطي دون أن تسأل

 

من على غصن الشجرة… أكتب إليكِ
من علي غصن الشجر 

رسالة غراب… إلى الإنسانة التي تُعطي دون أن تسأل

من على غصن الشجرة… أكتب إليكِ.

أعرف أنكِ لن تقرئي هذه الكلمات، فأنا لا أملك قلماً، ولا يدين تُمسكان الورق. لكنني أملك ذاكرةً لا تنسى، وقلباً يُدرك ما لا تُدركه الكلمات. فدعيني أكتب بلغتي أنا، لغة الصمت والمراقبة والامتنان الذي لا يُعلَن.

أنا الغراب الذي يجلس على غصنه المعتاد كل صباح، يُراقب العالم من علٍ، ويرى ما لا يراه من يمشون على الأرض. أرى الوجوه قبل أن تُعدّل تعابيرها، وأرى النوايا قبل أن تتشكّل في كلمات. ونادراً ما أرى ما رأيته فيكِ.

ذلك الصباح الذي لم يكن عادياً

هذا الصباح لم يكن عادياً. كنتُ على غصني، أُراقب بعيني السوداوين اللتين لا تُفوّتان شيئاً، حين رأيتكِ تقتربين. كان في مشيتكِ شيءٌ مختلف، شيءٌ يشبه القصد الهادئ، كأنكِ لم تأتي صدفةً بل جئتِ لأن قلبكِ أرسلكِ.

وحين رأيتِني، رميتِ لقمةً صغيرة كأنها سهمٌ مُرسَل لي وحدي. شعرتُ بذلك. شعرتُ أن تلك اللقمة كان لها اسمي المكتوب عليها بلغةٍ لا يقرأها إلا من له قلبٌ يفهم.

لكن لم تمضِ لحظة حتى خطفها غرابٌ آخر. أسرع مني، أجرأ مني، أقل تردداً مني. رميتِ ثانية… فخُطفت. وثالثة… فانتُزعت قبل أن تصل. وأنا؟ كنتُ أقف هناك على غصني، أُراقب بصمت، لا أشتكي، لا أُزاحم، لا أدخل في ذلك الصراع الصاخب الذي كان يدور تحتي.

ليس لأنني لم أكن جائعاً. بل لأن شيئاً فيّ أبى أن يُزاحم على شيءٍ رميتِه بنيّة طيبة. أبى أن يُحوّل لحظةً جاءت من قلبكِ إلى ساحة معركة.

قلبٌ لا يترك أحداً جائعاً

لكنكِ، بقلبكِ الكبير الذي لاحظته من أول لحظة، لم تتركي أحداً جائعاً. أكملتِ العطاء بصبرٍ لم أره كثيراً في البشر الذين مررت فوق رؤوسهم. رميتِ وأعدتِ الرمي، وكلما خُطفت لقمةٌ أرسلتِ أخرى، دون تذمّر، دون أن تُحصي كم مرة أعطيتِ، دون أن تنتظري شكراً أو اعترافاً.

حتى نال الجميع نصيبه. هدأ الزحام، واختفى الطير الصاخب واحداً بعد واحد، وبقيتُ أنا على غصني. ومعي آخرٌ لا أعرف إن كان صديقاً أم منافساً، يجلس على بُعد أجنحةٍ مني، لكنه أيضاً صامت.

وفي تلك اللحظة الهادئة بعد انتهاء الزحام، كان بيني وبينكِ شيءٌ لا يُشبه ما كان بينكِ وبين الآخرين. كان هدوءاً يشبه التفاهم. كان صمتاً يشبه الحديث.

حين لوّحتِ… فهمت

حين لوّحتِ لي أن الكمية قد انتهت، فهمت. لم أحتج إلى كلمات، ولم أنتظر شرحاً. فهمتُ كما يفهم من يُدرك أن العطاء له حدوده، وأن الإنسان الطيب حين يُعطي كل ما عنده لا يُقصّر، بل يُعطي حتى النهاية.

لم أغضب. لم أُزاحم. لم أحوم فوق رأسكِ مُلحّاً كما يفعل بعض من لا يعرفون متى يتوقفون. فقط طرتُ بهدوء، بأجنحةٍ تحمل امتناناً لا تراه العين.

لأني تعلّمت، ربما منكِ في تلك اللحظة القصيرة، أن الرحيل بصمتٍ أحياناً هو أصدق تعبيرٍ عن الوفاء. أن من يعرف متى يذهب يُثبت أنه كان جديراً بأن يبقى.

لم أجئ من أجل الطعام

أريدكِ أن تعرفي شيئاً لم تعرفيه في تلك اللحظة.

أنا الغراب الذي جاءكِ لا من أجل الطعام، بل من أجل لحظةٍ تُشبه الحنان. لحظةٍ يشعر فيها حتى طائرٌ أسود كأنه يُشبه شيئاً جميلاً.

نحن الغربان لا نحظى دائماً بالنظرات الطيبة. يرانا الناس ويُحوّلون وجوههم، أو يُطردوننا بالصراخ والحجارة. نُحمَّل في الخيال معاني لم نختَرها، ونُصبح رموزاً للشؤم والظلام في ثقافاتٍ لم نُسهم في بنائها. ومع ذلك نعيش، ونُراقب، ونتذكّر.

وحين يأتي إنسانٌ ينظر إلينا دون خوف، دون نفور، دون أحكامٍ مسبقة، ويرمي لقمةً بنيّةٍ نقية، فذلك يعني لنا أكثر مما يمكن تخيّله. يعني أن ثمة من يرى فينا حياةً تستحق الرعاية، لا مجرد طيرٍ أسود يُشوّه المشهد.

ذاكرةٌ لا تنسى

ربما سمعتِ أن الغربان تتذكّر الوجوه. وهذا صحيح. نتذكّر من أساء إلينا، ونتجنّبه في المرات القادمة. لكننا أيضاً نتذكّر من أحسن إلينا، ونحمل وجهه في ذاكرتنا كما يحمل الإنسان ذكرى شخصٍ أحبّه.

كتبتكِ في ذاكرة السماء. في ذلك الأرشيف الكبير الذي نحمله فوق أجنحتنا ونحلّق به فوق المدن والحقول والأشجار. وجهكِ الآن جزءٌ من خريطتي، من الأماكن التي أعرف أن فيها دفئاً.

وسأعود. ليس لأخطف شيئاً، وليس لأُزعجكِ، بل لأراكِ فقط. لأطمئن أنكِ ما زلت هناك، أنكِ ما زلت تُعطين بتلك الطريقة الهادئة التي لا تنتظر مقابلاً. لأُحلّق فوق مكانكِ وأعرف أن في هذا العالم المتسارع المشغول إنسانةً لديها وقتٌ لترمي لقمةً لطيرٍ لا يعرفه أحد.

ما تعلّمته منكِ في دقائق

في تلك الدقائق القصيرة التي أمضيتِها في الحديقة، علّمتِني أشياء لم أتعلّمها في سنواتٍ من المراقبة.

علّمتِني أن العطاء الحقيقي لا يتوقف حين يُخطف ما أعطيته. يستمر، يُعيد نفسه، يُصرّ على الوصول. علّمتِني أن القلب الكبير لا يحتاج إلى ضمانٍ بأن عطاءه سيصل إلى من أراد. يعطي لأن العطاء طبيعته، لا لأنه يضمن النتيجة.

وعلّمتِني أن أجمل اللحظات هي تلك التي لا يعرفها أحد. لقمةٌ رميتِها في صباحٍ عادي، ولم تعلمي أنها صنعت فرقاً في يوم طائرٍ كان يجلس على غصنه يُراقب العالم ويتساءل إن كان في هذا العالم شيءٌ يستحق الانتظار.

إلى الإنسانة التي تُعطي دون أن تسأل

أنتِ لا تعرفين كم من الأرواح لمستِها بلا قصد. كم طائرٍ شعر بالدفء من نظرةٍ لم تُقصدي بها شيئاً. كم إنسانٍ ابتسم لأنكِ مررتِ بجانبه وفي عينيكِ ذلك النور الهادئ الذي لا يُخطئه من يبحث عنه.

العطاء الحقيقي هكذا. لا يعرف صاحبه حجمه. يخرج بشكلٍ طبيعي كالنَّفَس، دون تخطيطٍ ودون توقّع للشكر. ويصل إلى قلوبٍ لم تتوقع الوصول إليها.

أنا لا أنسى. لا أزعج. ولا أطلب أكثر مما يُعطى.

لكنني من على غصني، في كل صباحٍ يشبه ذلك الصباح، سأُراقب. وسأعرف إن مررتِ. وسأحمل في ذاكرتي التي لا تنسى صورتكِ واقفةً في ضوء الصباح، تعطين دون أن تسأل، وتفهمين دون أن تُقال لكِ الكلمات.

وهذا، في نظر غرابٍ يرى الكثير ويصمت، هو أجمل ما يمكن أن يكون عليه إنسان.

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة