فخ التكرار: لماذا يسقط العقل في نفس الأخطاء مراراً؟

 

فخ التكرار: لماذا يسقط العقل في نفس الأخطاء مراراً؟

"الخطأ الأول تجربة، والثاني اختيار، أما الثالث فهو نمط سكن في اللاوعي حتى ظنناه قدراً."


من أكثر التجارب الإنسانية إثارة للحيرة هي تلك اللحظة التي نستيقظ فيها لنجد أنفسنا قد كررنا نفس "الغلطة" التي أقسمنا يوماً ألا نعود إليها. سواء كان ذلك في علاقة عاطفية استنزفتنا، أو في قرار مالي متهور، أو حتى في عادة يومية تفسد صحتنا. في "لحظة يقين"، نتوقف اليوم لنتأمل هذا السؤال الوجودي: لماذا نعود لنفس الأخطاء؟ هل هو ضعف في الإرادة؟ أم أن هناك "شيفرة خفية" في عقولنا تجرنا نحو العثرات القديمة مغلفة بوعود جديدة؟

أولاً: أسرار العقل الباطن.. "منطقة الراحة المظلمة"

قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن العقل البشري يفضل "الألم المألوف" على "السعادة المجهولة". سيكولوجياً، يبحث الدماغ دائماً عن توفير الطاقة، وأسهل طريقة لتوفير الطاقة هي اتباع "المسارات العصبية" المحفورة مسبقاً. عندما نكرر خطأ ما، فنحن في الحقيقة نتبع طريقاً يعرفه عقلنا جيداً.

اللاوعي لا يفرق بين "الخطأ" و"الصواب" بنفس الطريقة التي يفعلها الوعي؛ هو يفرق فقط بين "المعروف" و"المجهول". لذا، قد نجد أنفسنا نختار شريك حياة يشبه في طباعه القاسية شخصاً عانينا معه في الماضي، ليس لأننا نحب المعاناة، بل لأن عقلنا "يعرف" كيف يتعامل مع هذا النوع من الشخصيات، بينما يخشى الارتباط بشخص سوي تماماً لأن "قواعد اللعبة" معه مجهولة وغير مجربة.

ثانياً: التفسير النفسي.. "إعادة تمثيل الصدمة" (Compulsion to Repeat)

في التحليل النفسي الكلاسيكي، وتحديداً عند سيجموند فرويد، يبرز مصطلح "قهر التكرار". يفسر هذا المفهوم أن الإنسان يميل لتكرار تجاربه المؤلمة أو أخطائه السابقة في محاولة "لا واعية" للسيطرة عليها هذه المرة.

لماذا يحدث قهر التكرار؟

عندما نفشل في حل صراع ما في الماضي، يظل هذا الصراع "مفتوحاً" في الذاكرة العاطفية. العقل يعيد خلق ظروف مشابهة للخطأ القديم، على أمل أن تكون النتيجة هذه المرة مختلفة، أو أملاً في أن يجد "خاتمة" (Closure) لم يجدها سابقاً. نحن لا نكرر الخطأ لأننا حمقى، بل لأن طفلاً بداخلنا لا يزال يحاول إصلاح شيء انكسر قديماً بنفس الأدوات التي كسرتْه.

ثالثاً: كيمياء الدماغ.. فخ الدوبامين والتعود

هناك جانب بيولوجي لا يمكن تجاهله. الكثير من أخطائنا مرتبطة بـ "نظام المكافأة" في الدماغ. عندما نرتكب خطأً يوفر لذة مؤقتة (مثل الإسراف في الأكل أو الهروب من المسؤولية)، يفرز الدماغ الدوبامين. مع التكرار، تنشأ "روابط عصبية" قوية تجعل السلوك التلقائي هو "الخطأ".

في لحظات التوتر أو التعب، يتوقف "الفص الجبهي" (المسؤول عن المنطق والقرارات الحكيمة) عن العمل بكفاءة، وتتسلم "اللوزة الدماغية" والمناطق البدائية زمام الأمور. هذه المناطق لا تفكر في المستقبل، بل تبحث عن أقرب مخرج للطوارئ، وهو غالباً "الخطأ القديم" الذي يوفر راحة مؤقتة وسريعة.

رابعاً: وهم "هذه المرة مختلفة"

نحن نعود لنفس الأخطاء لأننا نمارس ما يسمى بـ "الإنكار الإدراكي". نقنع أنفسنا بأن الظروف قد تغيرت، أو أننا أصبحنا أقوى، بينما لم نغير "المدخلات" أصلاً. نكرر نفس التصرف ونتوقع نتيجة مختلفة، وهذا هو تعريف الجنون بحد ذاته.

هذا الوهم ينمو عندما نركز على "الأشخاص" أو "الأحداث الخارجية" وننسى مراقبة "ردود أفعالنا" نحن. إذا لم نعترف بأن المشكلة تكمن في "طريقة استجابتنا"، فسنظل ندور في نفس الساقية، نغير الوجوه والأماكن، ونحتفظ بنفس السيناريو المأساوي.

خامساً: كيف نكسر الحلقة المفرغة؟

كسر نمط التكرار يبدأ بـ "الوعي المؤلم". يجب أن نتوقف عن لوم الحظ أو الظروف، ونبدأ في تدوين أنماطنا. متى أكرر هذا الخطأ؟ ما هو الشعور الذي يسبق السقوط؟ هل هو الوحدة؟ القلق؟ الملل؟

بمجرد تحديد "المحفز"، نبدأ في بناء مسارات عصبية جديدة. هذا يحتاج إلى جهد واعي وصبر، لأن الطريق الجديد في البداية يكون وعراً وغير ممهد، بينما طريق الخطأ القديم مغرٍ وسهل المنال.

نصيحة ختامية للقارئ: كن رحيماً بيقظتك

يا عزيزي القارئ، العودة للخطأ ليست دليلاً على فشلك كإنسان، بل هي دليل على أن هناك "درساً" لم تستوعبه الروح بعد. نصيحتي لك: لا تجلد نفسك عندما تسقط في الفخ القديم، فالجلد يزيد من توترك ويجعل عقلك يهرب مجدداً لنفس الخطأ طلباً للراحة.

بدلاً من ذلك، قف بوعي، وتأمل "النمط" لا "الحدث". اسأل نفسك: ما الذي يحاول هذا التكرار أن يعلمني إياه؟ عندما تفهم الرسالة، سيختفي الرسول (الخطأ) من تلقاء نفسه. تعلم أن تضع "فاصلاً زمنيًا" بين الدافع وبين الفعل؛ في هذا الفاصل تكمن حريتك، وفي تلك اللحظة بالذات، يمكنك اختيار طريق جديد لم تسلكه من قبل.

كتبت هذه التأملات لنفكك معاً قيود التكرار ونرسم دروباً جديدة للوعي.

souadwrites.com